ادعى محمد التيجاني في كتابه أن خلافة عمر رضي الله عنه كانت قائمة على البدع التشريعية قائلًا: «وزاد عمر في الطين بلة، عندما ولي أمور المسلمين، فأحل ما حرم الله ورسوله، وحرم ما أحل الله ورسوله»، وفسر ذلك في الهامش بـ: «كقضية إمضائه الطلاق الثلاث" [ثم اهتديت، ص 167].
واستدل بحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في صحيح مسلم: «كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم" [صحيح مسلم، 2/1099].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: حقيقة الإلزام والزجر العقابي في السياسة العمرية
إن قرار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإمضاء طلاق الثلاث بلفظ واحد لم يكن تشريعًا مستأنفًا يبطل حكم الله؛ بل كان عقوبة تعزيرية وسياسة زجرية؛ إذ رأى تساهل الناس واستهانتهم بحدود الله وتتابعهم في إيقاع الطلاق بلفظ الثلاث دفعة واحدة، فأراد ردعهم ليعلموا أن من استعجل ما جعل الله له فيه أناة عوقب بوقوعه بنوع من التغليظ الشرعي.
ويشرح الإمام ابن القيم الجوزية هذه السياسة التشريعية قائلًا: «ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة، وحرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإنه كان من أشد الناس فيه، فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرم، فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه» [إعلام الموقعين عن رب العالمين، 3/35].
ثانيًا: تفسير حديث ابن عباس وحال الناس لا تغير الحكم
إن الفهم السليم لحديث ابن عباس رضي الله عنهما يوضح أن قوله: "كان طلاق الثلاث واحدة" هو إخبار عن تغير عادة الناس وسلوكهم الفعلي، وليس إخبارًا عن تغير في أصل الحكم الشرعي الإلهي؛ والمعنى أن الناس في عهد النبوة والخلافة الأولى كانوا يطلقون طلقة واحدة على المعتاد، فلما جاء عصر عمر، أحدث الناس في لغتهم وعاداتهم إيقاع الألفاظ الثلاثة مجتمعة مجازفة واستخفافًا.
ويقرر هذا المعنى اللغوي الإمام الباجي قائلًا: «معنى الحديث: أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث تطليقات، ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة"، فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة، فلو كان حالهم ذلك من أول الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله، ما عاب عليهم أنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" [المنتقى شرح الموطأ، الباجي، 4/4].
ثالثًا: حجية السياسة الشرعية وإجماع الصحابة عليها
يدخل قرار الفاروق رضي الله عنه في دائرة "السياسة الشرعية" المبنية على المصالح المرسلة وتغير الفتوى بتغير الزمان وأحوال الرعية؛ ولهذا وافقه جلة الصحابة الكرام ولم يقم أحد منهم بإنكار ذلك عليه أو اتهامه بمخالفة النص؛ بل تتابعوا على الفتيا به تثبيتًا لزجره وتأديبه.
ويوضح ابن القيم هذا الإجماع السكوتي والعملي بقوله: «فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان، وعلم الصحابة رضي الله عنهم حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به، وصرحوا لمن استفتاهم بذلك، فقال عبد الله بن مسعود: "من أتى الأمر على وجهه فقد بيّن له، ومن لبس على نفسه جعلنا عليه لبسه، والله لا تلبسون على أنفسكم ونتحمله منكم، هو كما تقولون"» [إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم، 3/35].
رابعًا: ثبوت إمضاء طلاق الثلاث للمستخف في روايات الشيعة
عند مراجعة الأصول الحديثية في معتقد الشيعة الإمامية، نجد نصوصًا واضحة تنقض دعواهم وتثبت أن الأئمة أنفسهم قضوا بإمضاء طلاق الثلاث لمن استخف بأمر الطلاق وتهاون به؛ وهو عين المبدأ الذي سار عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
• روى شيخ طائفتهم الطوسي بإسناده عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «سألته عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا؟ قال: إن كان مستخفًا بالطلاق ألزمته ذلك" [تهذيب الأحكام، الطوسي، 8/59]. وحكم على هذا الحديث محمد باقر المجلسي بأنه: «مجهول، أو حسن" [ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، 13/120].
فإذا كان جعفر الصادق -بحسب هذه الرواية المعتمدة عندهم- يلتزم بإمضاء الطلاق الثلاث إلزامًا وعقوبة على من استخف بالحدود، فلماذا يُشنّع على عمر بن الخطاب فعله لعين هذه العلة؟!
خامسًا: وقوع البينونة بالطلاق الثلاث في مجلس واحد في كتبهم
لم تقتصر روايات الشيعة على إمضاء طلاق الثلاث للمستخف فحسب؛ بل جاءت نصوص عامة وموثقة عندهم تصرح بوقوع البينونة التامة بالطلاق الثلاث في مجلس واحد، مما يوافق تمامًا ما أمضاه الفاروق:
• روى الطوسي بإسناده عن أبي العباس البقباق قال: «دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: اروِ عني أن من طلق امرأته ثلاثًا في مجلس واحد فقد بانت منه" [تهذيب الأحكام، 8/59].
وقد حكم المجلسي على هذا الحديث بقوله: «الحديث التاسع والمائة: موثق» [ملاذ الأخيار، 13/120].
وحاول المجلسي الالتفاف على هذا النص الصريح الموثق بالادعاء أنه محمول على "التقية" أو عقوبة للمخالفين؛ ولكن هذا التأويل يتهافت أمام الأمر المطلق الصادر من الإمام بقوله: "اروِ عني"، وهو أمر بالإشاعة والإذاعة العامة لا يستقيم معه ادعاء الخوف أو المداراة المخصوصة، مما يؤكد ثبوت الحكم فقهيًّا عندهم.
سادسًا: رواية الباقر في تطليق المرأة إضرارًا ونقض التستري لها
بناء على معيار التشنيع والطعن الذي يستعمله كُتّاب الشيعة ضد الصحابة، فإن مصادرهم المعتمدة تورد مرويات تُسند للأئمة أفعالًا تظهر مخالفة صريحة للقرآن الكريم في أحكام الطلاق والمعاشرة بالمعروف:
• روى الكليني في الكافي بإسناده عن أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن الطلاق الذي لا يحل له حتى تنكح زوجًا غيره؟ فقال: أخبرك بما صنعت أنا بامرأة كانت عندي وأردت أن أطلقها، فتركتها حتى إذا طمثت وطهرت طلقتها من غير جماع وأشهدت على ذلك شاهدين، ثم تركتها حتى إذا كادت أن تنقضي عدتها راجعتها ودخلت بها، وتركتها حتى إذا طمثت وطهرت، ثم طلقتها على طهر من غير جماع بشاهدين، ثم تركتها حتى إذا كان قبل أن تنقضي عدتها راجعتها ودخلت بها، حتى إذا طمثت وطهرت، طلقتها على طهر بغير جماع بشهود، وإنما فعلت ذلك بها أنه لم يكن لي بها حاجة» [الفروع من الكافي، 6/76]. وقد حسّن هذا الحديث المجلسي في كتاب موازنة المرويات [مرآة العقول، 21/128].
إن هذا السلوك المنسوب للباقر يتضمن إرجاع المرأة وتطليقها مرارًا بقصد تطويل العدة والإضرار بها بلا حاجة؛ وهو ما يناقض صريح الآية القرآنية: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229].
ولشدة نكارة هذا المتن وقبحه، بادر عالمهم المحقق محمد تقي التستري إلى الطعن في الرواية وتكذيبها لحماية الإمام قائلًا:
«والدليل على وضعه أنه تضمن أن الباقر عليه السلام عمل ما هو منزه عن عمل مثله، فإن ما فيه ضرار نهى الله تعالى عنه..، ويدل على وضعه أيضًا سوى ما مرّ ما ذكر فيه من العلة من قوله: (وإنما فعلت ذلك بها؛ لأنه لم يكن لي بها حاجة)، فكان يكفيه طلاق واحد، فالمرأة إذا لم ترد الرجل فليس بيدها نزع نفسها، وأما الرجل فإذا لم يرد المرأة جعل الله ذلك له نزعها منه بطلاق واحد» [مستدرك الأخبار الدخيلة، 3/307-308].
فإذا كانت رواياتهم المعتمدة والمحسنة تسند للأئمة أفعالًا تضار المرأة وتخالف مقاصد الشريعة في الطلاق، وتضطر محققيهم للحكم بوضعها وتزويرها؛ فكيف يجرؤ كُتّاب هذا المعتقد على التشغيب والطعن في سياسة عمر بن الخطاب الفقهية والتعزيرية التي حفظت هيبة الطلاق وحمت حدود الله؟!
الخلاصة:
• العقوبة والتعزير لا التبديل: إن إمضاء عمر لطلاق الثلاث بكلمة واحدة كان عقوبة تعزيرية للمستعجلين وزجرًا لهم عن التلاعب بحدود الله؛ وليس تشريعًا مبتدعًا يبطل أحكام الشريعة.
• تغير سلوك الرعية: ثبت من شروح المحدثين لحديث ابن عباس أن اللفظ يصف تغير عادة الناس واستعمالهم المفرط للطلاق المجمل؛ ولم يصف تغيرًا في الفتيا التشريعية المستقرة.
• إجماع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الشوري: حظي قرار أمير المؤمنين بموافقة وإجماع سكوتي وعملي من كبار الصحابة (كابن مسعود وغيره)؛ اعترافًا منهم بحسن سياسته ورعاية المصلحة العامة في زمانه.
• موافقة نصوص الشيعة للسياسة العمرية: أثبت التحقيق من مصادر الشيعة المعتمدة (كالتهذيب للطوسي) أن جعفر الصادق قضى بإلزام الطلاق الثلاث لمن استخف به؛ بل وجاءت روايات موثقة عندهم تثبت البينونة بالثلاث في مجلس واحد، مما يبطل طعنهم في الفاروق.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه جهل كتاب الله في قضية الحامل التي وضعت لستة أشهر وهمّ برجمها
• تهافت مرويات الكافي وتناقضها: أوقع البحث الخصوم في إلزام خانق؛ إذ إن الروايات المحسنة عندهم في "الكافي" تسند للباقر تطليق امرأة مرارًا بقصد الإضرار بها؛ مما اضطر علماءهم لرمي رواياتهم بالوضع والتزوير لشدة نكارتها ومخالفتها للقرآن.
لتحميل الملف pdf