يستند الطاعنون في الصحابة إلى روايات في الصحيحين يظهر فيها لفظ الكراهية من علي بن أبي طالب رضي الله عنه تجاه حضور عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجلس بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ زاعمين أن هذا يدل على نفور دفين وعداء مستحكم بينهما، بينما السياق يوضح أن الأمر لا يتعدى طبيعة المواقف البشرية التي تحتاج إلى اللين والمصافاة.
فقد أورد البخاري ومسلم في صحيحيهما رواية طويلة عن عائشة رضي الله عنها في قصة بيعة علي لأبي بكر رضي الله عنهما بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، وجاء فيها: «فالتمس مصالحة أبي بكرٍ ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكرٍ: أن ائتنا ولا يأتنا أحدٌ معك، كراهيةً لمحضر عمر، فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكرٍ: وما عسيتهم أن يفعلوا بي، والله لآتينَّهم، فدخل عليهم أبو بكرٍ..،» [متفق عليه].
وعلَّق كاتبهم عبد الصمد شاكر على هذه الرواية زاعمًا أنَّ المدلول المستفاد منها هو: «تنفُّر عليٍّ من عمر، وكراهيتُه لحضوره» [نظرة عابرة إلى الصحاح الستة، عبد الصمد شاكر، ص 233].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: سلامة قلوب الصحابة وعدم عصمتهم من النزعات البشرية
إنَّ الصحابة رضي الله عنهم بشرٌ يصيبهم ما يصيب البشر من العوارض النفسية والنزعات الإنسانية، ولم يدّعِ أحدٌ عصمتهم؛ لكنهم مع ذلك أطهر الأمة قلوبًا، وأزكاهم نفوسًا بنص القرآن الكريم والتراث الإسلامي.
• الثناء القرآني: قال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجدًّا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا} [الفتح: 29].
• شهادة تراث الشيعة: روى الصدوق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفًا..، لم يُر فيهم قدري، ولا مرجي، ولا حروري، ولا معتزلي، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار» [الخصال، الصدوق، ص 639–640].
• سلامة قلب علي: ثبت عن علي رضي الله عنه سلامة صدره تجاه الصحابة حتى في أوقات الفتن؛ إذ يقول جعفر بن محمد عن أبيه: «قال عليٌّ: إنّي لأرجو أن أكون وطلحة والزّبير من الَّذين قال الله عز وجل: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَٰبِلِينَ}» [الاعتقاد، البيهقي، ص 373].
ثانيًا: بيان سبب الكراهية وموضعها من الرواية
إنَّ الرواية المستدل بها لم تطلق الكراهية لشخص عمر رضي الله عنه، بل قيدتها بموقف معين ولسبب محدد بينته روايات السنة الأخرى المصرحة بالعلة.
• العلة هي شدة عمر في الحق: جاءت الرواية عند الطبراني وغيره بلفظ واضح: «وكره عليٌّ أن يشهدهم عمر، لما يعلم من شدَّة عمر» [مسند الشاميين، الطبراني، 4/198]؛ [مصنف عبد الرزاق، 5/471].
• طبيعة الموقف: كان الموقف موقف عتاب ومصالحة ومصافاة بعد ستة أشهر من التخلف عن البيعة انشغالًا بمرض فاطمة رضي الله عنها؛ ومثل هذا المجلس يحتاج إلى رقة أبي بكر ولينه، لا إلى شدة عمر وصلابته في القول، خشية أن يؤول الأمر إلى كثرة المعاتبة التي تفسد مقصود اللقاء.
ثالثًا: توجيه شراح الحديث لموقف عمر وعلي رضي الله عنهما
أوضح علماء الأمة ومحقّقوها أنَّ هذا التصرف جرى على سنن الطبائع البشرية الصافية، وبما يحفظ مكانة الصحابة جميعًا.
• توجيه ابن حجر: قال الحافظ: «والسَّبب في ذلك ما ألفوه من قوَّة عمر وصلابته في القول والفعل، وكان أبو بكرٍ رقيقًا ليِّنًا، فكأنّهم خشوا من حضور عمر كثرة المعاتبة الَّتي قد تفضي إلى خلاف ما قصدوه من المصافاة» [فتح الباري، ابن حجر، 7/494].
• توجيه النووي: قال الإمام النووي: «خافوا أن ينتصر لأبي بكر رضي الله عنه، فيتكلم بكلام يوحش قلوبهم على أبي بكرٍ، وكانت قلوبهم قد طابت عليه وانشرحت له..، وأمَّا قول عمر: "لا تدخل عليهم وحدك" فمعناه: أنَّه خاف أن يغلظوا عليه في المعاتبة، ويحملهم على الإكثار من ذلك لين أبي بكرٍ وصبره» [شرح النووي على مسلم، 12/87].
• توجيه العيني: ذكر العيني أنَّ حضور عمر كان مظنة استيعاب الملام والجدال؛ فقصدوا التخفيف العرفي، ومخاوف عمر كانت من باب الشفقة على أبي بكر ألا يلقى ما يثقل عليه لقاء لينه الدائم. [عمدة القاري، العيني، 17/259].
رابعًا: دلائل المحبة والوئام بين عمر وعلي رضي الله عنهما
إنَّ الدلائل التاريخية والروائية على عمق المحبة بين عمر وعلي رضي الله عنهما أكثر من أن تُحصر؛ وهي متضافرة في كتب أهل السنة ومصادر الشيعة أنفسهم، ومن أبرزها:
• المصاهرة وتزويج أم كلثوم: ثبت في أصح الروايات أنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه زوَّج ابنته أم كلثوم (بنت فاطمة الزهراء) من عمر بن الخطاب رضي الله عنه [صحيح البخاري، 4/33]؛ وهذا ثابت في كتب الشيعة بروايات صحيحة وموثقة عند علمائهم كالمجلسي في [مرآة العقول، 21/197-199] والطوسي في [تهذيب الأحكام، 9/362].
ولا يمكن لعاقل أن يتصور قيام علي بتزويج بضعته من رجل يكره مجرد رؤيته؛ لا سيما وأنَّ من مرويات الشيعة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه» [مستدرك الوسائل، النوري الطبرسي، 14/187].
• التسمية بأسماء الخلفاء: سمَّى علي رضي الله عنه أحد أبنائه (عمر)؛ إشادةً ومحبةً بالفاروق. [الإرشاد، المفيد، ص 354].
وروى علماء الزيدية كالمشهد بالله عن علي قوله: «وقد سمَّيت بعمر بن الخطَّاب» [الأمالي الإثنينية، 1/488].
والتسمية عند الشيعة علامة المحبة لقول الصادق عليه السلام: «سمِّه بأحبِّ الأسماء إليَّ» [روضة المتقين، 8/627]؛ في حين ورد لديهم النهي الشديد عن التسمي بأسماء الأعداء؛ حيث بوب الحر العاملي: (باب كراهة التسمية بأسماء أعداء الأئمة) [وسائل الشيعة، 15/130]؛ فثبتت المحبة يقينًا.
• التبادل والهدايا وعواطف الإخاء: كان عمر رضي الله عنه يفضل الحسن والحسين في العطاء على سائر أبناء الصحابة؛ إذ فرض لكل منهما خمسة آلاف درهم ملحقين بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول الله. [الطبقات الكبرى، ابن سعد، 3/225].
وفي المقابل، كان علي يفتخر بصلته بعمر؛ فقد رُئي عليه بُردٌ يكثر لبسه، فلما سُئل عنه بكى وقال: «إنَّه كسانيه خليلي وصفيِّي وصديقي وخاصّي عمر، إنَّ عمر ناصح الله فنصحه الله» [مصنف ابن أبي شيبة، 6/356].
• المشورة والاعتضاد السياسي: كان علي رضي الله عنه وزير الصدق للفاروق، ومستشاره الأول في النوازل؛ فقد روى الصدوق عن علي قوله في خطبة يصف فيها عمر: «كان يشاورني في موارد الأمور، فيصدرها عن أمري، ويناظرني في غغامضها، فيمضيها عن رأيي» [الخصال، ص 374].
وتشهد خطب نهج البلاغة عند استشارة عمر له في غزو الروم والفرس بمدى النصح والمحبة الشديدة التي كفلها علي لعمر ولبيضة الإسلام. [نهج البلاغة، 2/18، و 2/29].
خامسًا: ضبط مفهوم "الاستبداد" وأزمة السقيفة
يُشغب الطاعنون بذكر قول علي لأبي بكر رضي الله عنهما: «ولكنَّك استبددت علينا بالأمر»؛ زاعمين أنَّ اللفظ يحمل معنى الجور والظلم المانع من صحة الإمامة، وهذا جهل بلسان العرب وواقع الحال الفقهي والتاريخي.
• المعنى اللغوي: الاستبداد في لغة العرب لا يعني الظلم أو الغصب، بل يعني الانفراد بالرأي؛ قال ابن منظور: «واستبدَّ فلانٌ بكذا أي انفرد به..، وفي حديث عليٍّ: فاستبددتم علينا؛ أي انفردتم بالأمر دوننا» [لسان العرب، 3/81].
• عذر الصديق في الانفراد: لم يكن انفراد أبي بكر وعمر بأمر السقيفة استنقاصًا لعلي رضي الله عنه؛ بل كان ضرورة شرعية حتمية حمت الأمة من الفتنة وانقسام الكلمة بين المهاجرين والأنصار، في وقت انشغل فيه علي بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يكن يحل شرعًا ترك الأمة بلا قائد يجمع شتاتها.
• الحق في الشورى والرضا المتأخر: يُقر الشيعة بأنَّ بقاء الأمة بلا إمام بعد موته أو قتله هو أمر محرم؛ إذ رووا عن علي قوله: «الواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل..، أن لا يعملوا عملًا..، رجاء أن يختاروا لأنفسهم إمامًا» [مستدرك الوسائل، 6/14].
كما أنَّ عليًّا نفسه يرى أنَّ المشورة تلزم الحاضرين؛ حيث قال: «فلم يكن للشَّاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردَّ» [نهج البلاغة، 1/587].
• توضيح المحققين وشراح الحديث: بيَّن العلماء أنَّ عتب علي كان لعمر السن (إذ كان شابًا ابن ثلاث وثلاثين سنة) وكان يرى أنَّ حق قرابته يقتضي إحضاره للمشورة والنظر. قال الحافظ ابن حجر نقلًا عن المازري: «والعذر لأبي بكرٍ أنَّه خشي من التَّأخّر عن البيعة الاختلاف لما كان وقع من الأنصار» [فتح الباري، 7/494]، وهو ما وضحه العيني والقسطلاني أيضًا بأنَّ معاتبة علي انتهت بزوال ما في نفسه واعترافه بفضل الصديق ومبايعته طوعًا على منبر المسلمين. [عمدة القاري، 17/259]؛ [إرشاد الساري، 6/376].
سادسًا: الثناء العطر بعد الوفاة وشهادة الجوار
إنَّ بقاء علي رضي الله عنه مجاورًا لعمر في المدينة طيلة حياته يُعد إقرارًا شرعيًّا ورضا بعهده؛ إذ يروي الصدوق في مأثوراتهم: «إنَّ الله إذا كره لنا جوار قومٍ نزعنا من بين أظهرهم» [علل الشرائع، الصدوق، ص 244]؛ فلو كان عمر ظالمًا لوجب على علي الهجرة بنص القرآن: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} [النساء: 97].
بل إنَّ ثناء علي على عمر بعد وفاته يقطع دابر كل تخرص؛ فقد ترحم عليه وتمنى لقاء الله بمثل عمله كما في الصحيحين، وأورد الشيعة في نهج البلاغة قوله في مدح عمر: «لله بلاد فلان، فلقد قوَّم الأود، وداوى العمد، وأقام السُّنَّة، وخلَّف الفتنة! ذهب نقيُّ الثَّب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرّها» [نهج البلاغة، ص 561]؛ وأقر شارحهم ابن ميثم البحراني بأنَّ المقصود بـ "فلان" هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه. [شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني، 2/87]. وقال في موضع آخر: «ووليهم والٍ فأقام واستقام، حتَّى ضرب الدِّين بجرانه» [نهج البلاغة، ص 891]، وأكد البحراني أيضًا أنَّ الوالي هنا هو عمر. [شرح نهج البلاغة، 5/432].
الخلاصة:
• طبيعة العوارض البشرية: الكراهية الواردة في الرواية ليست كراهية ذات أو بغض دين، وإنما هي خشية من "محضر" يتسم بالشدة في موضع صلح يحتاج إلى محض اللين والرقة، وهذا من طبائع البشر السليمة.
• إبطال دعوى القطيعة: أثبتت الوقائع القطعية (كالمصاهرة بأم كلثوم، والتسمية بعمر، وقبول الهدايا، والمشاورات المستمرة في مصالح المسلمين) أنَّ العلاقة بين الشيخين وعلي رضي الله عنهم كانت على أعلى درجات الصفاء والمحبة.
• فهم الاستبداد وسياقه: تبيّن أنَّ عتب علي رضي الله عنه من "الاستبداد" كان عتبًا على عدم الإحضار للمشورة الأولية بسبب مفاجأة حدث السقيفة الخاضع لضرورة حفظ الأمة، وقد زال العتب تمامًا ببيعة علي العلنية وثنائه على الصديق.
• شهادة الخصم المُلزمة: اعتراف المصادر المعتمدة عند الشيعة (كنهج البلاغة وشروح البحراني) بثناء علي العطر على عمر ووصفه بإقامة السنة وتقويم الأود ينسف كل دعاوى البغض والعداوة، ويجعل الطاعن فيهما مكابرًا لشهادة إمامه.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه ابتدع في الأذان زيادة: (الصلاة خير من النوم)
• وحدة الأمة وصفاء الصحابة: إنَّ اجتماع المسلمين وفرحهم ببيعة علي وإصلاح الأمر المعروف يُبرهن على أنَّ الصحابة كانوا ركنًا واحدًا يتراحم غائبهم وشاهدهم، ممتثلين أمر ربهم في المودة والإخاء.
لتحميل الملف pdf