أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

طعنهم في الفاروق رضي الله عنه لوضعه الخراج على أرض السواد

أورد المجلسي هذا المطعن في موسوعته قائلًا: «ومنها: أنه وضع الخراج على أرض السواد، ولم يعطِ أرباب الخمس منها خمسهم، وجعلها موقوفة على كافة المسلمين» [بحار الأنوار، المجلسي، 31/15].

وزعم محقق كتاب "الإيضاح" جلال الدين الأرموي أن بدعة عمر في ذلك تقوم على ثلاثة وجوه:

1.         منع أرباب الخمس (بني هاشم) حقهم؛ لإضعاف جانبهم وحرمانهم من عوائد الخلافة.

2.         منع الغانمين المقاتلين أربعة أخماس حقوقهم من الأرض المفتوحة عنوة ومخالفة ما جرى في خيبر.

3.         مخالفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب خراج دراهم معينة بدلًا من اقتطاع نسبة من الغلة [الإيضاح، الفضل بن شاذان، تعليق الأرموي، ص 483].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: استدلال عمر الصريح بآيات سورة الحشر

إن قرار عمر رضي الله عنه بعدم تقسيم الأرض المفتوحة عنوة لم يكن رأيًا مجردًا؛ بل كان امتثالًا وتشريعًا مستنبطًا من كتاب الله تعالى؛ حيث استدل بآيات سورة الحشر التي وسعت دائرة المستحقين لأموال الفيء والخراج لتشمل الأجيال القادمة:

•          روى البيهقي بإسناده: «عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: ..، إني قد قرأت آيات من كتاب الله، سمعت الله يقول: {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنُ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ}..، ثم تلا: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ}..، والله ما هو لهؤلاء وحدهم، {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ}..، والله ما هو لهؤلاء وحدهم، {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ}..، والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال، أُعطي منه أو مُنع، حتى راعٍ بعدن» [السنن الكبرى، البيهقي، 6/571].

لقد أدرك عمر بفقهه الثاقب أن تقسيم ممالك شاسعة كالعراق والشام ومصر على المقاتلين الحاضرين سيؤدي إلى حرمان الأجيال القادمة من ثروات هذه البلاد؛ وروى أبو يوسف قوله عند إلحاح بعض الصحابة كبلال وعبد الرحمن بن عوف بالقسمة: «فكيف أُقسِّمه لكم، وأدع من يأتي بغير قسم؟ فأجمع على تركه وجمع خراجه وإقراره في أيدي أهليه ووضع الخراج على أرضيهم والجزية على رؤوسهم» [الخراج، أبو يوسف، ص 45-46].

وبذلك استند عمر في الوقف إلى آية الفيء المحكمة، مثلما استند القائلون بالقسمة إلى آية غنائم الأنفال، وكلتاهما آيتان محكمتان في كتاب الله [الأموال، أبو عبيد القاسم بن سلام، ص 74].

ثانيًا: موافقة السياسة العمرية للسنة النبوية والتخيير التشريعي

يزعم الطاعنون أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم استقرت على تقسيم الأراضي المفتوحة عنوة قياسًا على واقعة خيبر، وهذا جهل بالسنة والسيرة لعدة وجوه:

1.         خيبر لم تُقسَّم بالكامل: ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقسم أراضي خيبر كلها على المقاتلين؛ بل عزل نصفها كاملًا لنوائب الدولة الإسلامية ومصالحها العامة، وقسم النصف الآخر؛ حيث روى أبو عبيد: «عن بشير بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاء الله عليه خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهمًا..، وعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به، وقسم النصف الباقي بين المسلمين» [الأموال، ص 71].

فلو كانت الأرض حقًّا خالصًا للغانمين لما ساغ للنبي صلى الله عليه وسلم حبس نصفها لنوائب المسلمين.

2.         عدم تقسيم مكة وحنين وعنوية الفتح: من المعلوم يقينًا أن مكة المكرمة وأراضي هوازن في حنين فُتحت عنوة وقسرًا، ومع ذلك لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم أراضيها ودورها بين المقاتلين؛ ويقرر علماء الشيعة أنفسهم هذه الحقيقة؛ حيث يقول فقيههم المنتظري: «عدم تقسيم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم مكة وحنين بين المقاتلين، وقد فتحتا عنوة: ..، لم يقسم هو صلى الله عليه وسلم بين المقاتلين شيئًا» [دراسات في ولاية الفقيه، حسين علي المنتظري، 3/142].

3.         مبدأ التخيير للإمام: أثبتت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم جواز الأمرين؛ فقسّم في مواضع (كنصف خيبر) ولم يقسم في مواضع أخرى (كمكة وحنين)؛ مما يدل على أن الأمر موكول لاجتهاد الإمام بحسب المصلحة؛ وحيث يوضح ابن تيمية: «ففتح خيبر عنوة وقسمها، وفتح مكة عنوة ولم يقسمها، فعلم جواز الأمرين..، فمن قال: إن هذا لا يجوز [أي وقف الأرض] قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر..، فهذا القول خطأ وجرأة على الخلفاء الراشدين؛ فإن فعله في خيبر يدل على جواز ما فعله لا يدل على وجوبه» [مجموع الفتاوى، 20/574-576].

ثالثًا: علي بن أبي طالب هو المشير بوقف أرض السواد

إن الطامة الكبرى على الشيعة الإمامية في هذا الطعن؛ هي أن المراجع والمصادر (السنية والشيعية على حد سواء) أثبتت أن الذي أشار على عمر بوقف أرض السواد وعدم تقسيمها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

•          في المصادر السنية: روى أبو عبيد في الأموال: «عن إبراهيم التيمي قال: لما فتح المسلمون السواد قالوا لعمر: اقسمه بيننا..، فأبى..، وشاور في ذلك، فقال له علي بن أبي طالب: دعهم يكونوا مادة للمسلمين، فتركهم» [الأموال، القاسم بن سلام، ص 74].

•          في المصادر الشيعية: يروي الفضل بن شاذان (وهو من أقدم علمائهم): «وروى شريك وغيره أن عمر أراد بيع أهل السواد فقال علي صلوات الله عليه: إن هذا مال أصبتموه ولم تصيبوا مثله، فإن بعتهم بقي من يدخل في دين الله لا شيء له، قال: فما أصنع؟ قال: دعهم سكرة [مادة وعدة] للمسلمين، فتركهم..،» [الإيضاح، الفضل بن شاذان، ص 478].

•          ويؤكد شيخ طائفتهم الطوسي هذا الموقف قائلًا: «وروي أن عمر استشار عليًّا عليه السلام في أرض السواد، فقال له علي عليه السلام: "دعها عدة المسلمين"، ولم يأمره بقسمتها، ولو كان واجبًا لكان يشير إليه بالقسمة» [كتاب الخلاف، الطوسي، 4/196].

فكيف يستسيغون الطعن في عمر رضي الله عنه لأمر قضى به وأشار إليه إمامهم المعصوم عندهم؟!

رابعًا: إجماع علماء الشيعة الإمامية على عدم جواز تقسيم أرض الخراج

من العجائب التناقضية في الفكر الطائفي؛ أن التشريعات الفقهية المستقرة عند الشيعة الإمامية تحرّم بيع أو تقسيم أو تملك أراضي الخراج (كأرض السواد)، وتعتبرها ملكًا عامًا للأمة تشابه تمامًا ما فعله عمر؛ وإليك نصوصهم:

•          قول المحقق الحلي: «والذي يقتضيه المذهب أن هذه الأراضي وغيرها من بلاد خراج..، تكون للمسلمين قاطبة، الغانمون وغيرهم سواء في ذلك، ويكون للإمام النظر فيها ويقبلها ويضمنها بما شاء، ويأخذ ارتفاعها، ويصرفه في مصالح المسلمين..، وليس للغانمين في هذه الأرضين على وجه التخصيص شيء..، ولا يصح بيع شيء من هذه الأرضين، ولا هبته، ولا معاوضته، ولا تملكه، ولا وقفه، ولا رهنه..،» [منتهى المطلب، الحلي، 2/938].

•          صحيحة الحلبي في كتبهم: روى الحر العاملي في وسائل الشيعة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سُئل عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يُخلق بعد» [وسائل الشيعة، الحر العاملي، 17/369].

وهذا النص هو بحذافيره ذات التبرير والتعليل الفقهي الذي نطق به الفاروق عمر رضي الله عنه قبل قرون عندما قال: "ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال حتى راعٍ بعدن".

فلماذا يُمدح الأئمة على هذا الفقه ويُطعن في عمر؟!

خامسًا: الدلالة اللغوية والشرعية لآية الأنفال ومفهوم الغنيمة

لا يمكن أصوليًّا الجزم بأن آية الغنيمة في سورة الأنفال تشمل الأراضي الشاسعة دلالة قطعية؛ فالغنيمة في حقيقتها اللغوية والشرعية هي ما يحوزه المقاتل حيازة فعلية وينقله ويحمله؛ كالسلاح، والكراع، والمتاع، والنقود، والثياب.

أما الأراضي الممتدة، والممالك الواسعة، والجبال والأنهار، فلا يتصور تملكها وحيازتها على وجه الحقيقة الفردية إلا مجازًا والتجوز لا تبنى عليه الأحكام القطعية؛ ولهذا نقل عالمهم علي أصغر مرواريد قوله: «ما لا ينقل ولا يحول من الدور والعقارات والأرضين، عندنا أن فيه الخمس فيكون لأهله، والباقي لجميع المسلمين من حضر القتال ومن لم يحضر فيصرف ارتفاعه إلى مصالحهم..، ودليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم..، وروي أن عمر استشار عليًّا رضي الله عنه في أرض السواد فقال علي: دعها عدة للمسلمين» [الينابيع الفقهية، علي أصغر مرواريد، 21/35].

سادسًا: المصلحة التشريعية المعتبرة وإلغاء نظام الإقطاع الجاهلي

لقد كانت السياسة العمرية قائمة على تجريد المصلحة الشخصية؛ فلو قام عمر بتقسيم الأرض لتملّك هو وأهل بيته مساحات هائلة منها؛ ولكنه ألغى نصيب الدولة من ريع رقاب الأرض في سبيل تأسيس رصيد مالي دائم لبيت مال المسلمين؛ تحقيقًا للعدالة ومنعًا للاحتكار الرأسمالي؛ ويوضح القاضي أبو يوسف ثمرة هذا القرار العظيم بقوله: «وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين عموم النفع لجماعتهم؛ لأن هذا لو لم يكن موقوفًا على الناس في الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور، ولم تقو الجيوش على السير في الجهاد..،» [الخراج، أبو يوسف، ص 38].

ومن أعظم آثار هذا القرار القضائي:

1.         تقويض الإقطاع وحماية الفلاحين: أبقى عمر الأرض في أيدي فلاحيها الأصليين يعمرونها ويزرعونها مقابل دفع خراج يسير للدولة، فاستقرت أحوالهم وتحولوا من عبيد مملوكين للأكاسرة إلى زُرَّاع محترمين، مما دفعهم لعشق الإسلام والدفاع عنه ضد الفرس.

2.         منع تداول الثروة في يد الأغنياء فقط: امتثل عمر للعلة القرآنية الغائية: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ} [الحشر: 7]؛ فحمت هذه السياسة حريات الأجيال اللاحقة ووفرت الرواتب والإنفاق على الجيوش وحماية الثغور وبناء القناطر والمساجد في أصقاع الأرض.

الخلاصة:

•          الامتثال للقرآن الكريم: ثبت بالدليل القطعي أن صنيع الفاروق عمر رضي الله عنه في وقف أرض السواد العراقية جاء تلبية لأحكام آيات الفيء في سورة الحشر التي جعلت ثروات البلاد حقًا مشاعًا لكافة المسلمين والأجيال القادمة.

•          موافقة السنة التشريعية بالتخيير: تبرهن من السيرة النبوية الشريفة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقسم كل الأراضي؛ بل وقف نصف خيبر لنوائب المسلمين، ولم يقسم مكة وحنين بعد فتحهما عنوة؛ مما يؤكد أن الإمام مخيَّر بحسب المصلحة العامة.

•          علي بن أبي طالب هو صاحب المشورة: انقطعت حجة الطاعنين باعتراف مصادر الشيعة المعتبرة بأن عليًّا رضي الله عنه هو الذي أشار على عمر بوقف الأرض قائلًا: "دعها عدة للمسلمين"، ومخالفتهم لعمر هي طعن صريح في رأي وقضاء علي بن أبي طالب نفسه.


اقرأ أيضا| زعمهم وقوع الكراهية والنفور بين عمر وعلي رضي الله عنهما

•          التناقض الفقهي: ألزم البحث الشيعة الإمامية بإجماع علمائهم ونصوص أئمتهم (كصحيحة الحلبي) على أن أرض السواد هي ملك لعامة المسلمين إلى يوم القيامة ولا يجوز بيعها أو تمليكها للأفراد، وهو عينه الحكم القضائي الذي طبقه عمر، مما يجعل تشغيبهم وطعنهم ضربًا من الهوى والتناقض والتهافت.


لتحميل الملف pdf

تعليقات