تمسك الشيعة بما ورد في السنن من أن عمر رضي الله عنه نهى الناس عن التمتع بالعمرة إلى الحج؛ مع إقراره بأنها في كتاب الله وأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها؛ حيث جاء في النص: «عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: والله إني لأنهاكم عن المتعة، وإنها لفي كتاب الله ولقد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني العمرة في الحج» [سنن النسائي، 5/153].
وقد علق كاتبهم الفضل بن شاذان على هذا النهي محاولًا التشغيب الفقهي فقال: «فهذه الرواية لا تنكرونها قد رواها الفقهاء والعلماء، فلئن صححتم الرواية وصححتم على عمر أنه نهى عما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رميتموه بالعظيم، وإن أنتم لم تصححوا الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أمر بمتعة الحج لقد رميتم فقهاءكم وعلماءكم بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله بروايتكم» [الإيضاح، ص 449].
وزعموا أن صنيع عمر هذا يعد خروجًا صريحًا على الأحكام التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: إقرار عمر بأن التمتع هو السنة والجمع بين طرق الرواية
من المبادئ العلمية المستقرة عند علماء الحديث أن النص لا يفهم بمعزل عن بقية طرق الرواية؛ ويقول الحافظ ابن حجر في ذلك: «المتعين على من يتكلم على الأحاديث أن يجمع طرقها، ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحت الطرق ويشرحها على أنه حديث واحد، فإن الحديث أولى ما فسر بالحديث» [فتح الباري، ابن حجر، 6/475].
وعند جمع الأحاديث الواردة عن عمر رضي الله عنه يتضح يقينًا أنه لم يكن يرى تحريم متعة الحج شرعًا؛ بل كان يراها سُنّة ثابتة:
• توجيه عمر لمن تمتع: روى شقيق بن سلمة أبو وائل: «أن رجلًا من بني تغلب يقال له: الصبي بن معبد، وكان نصرانيًّا فأسلم، فأقبل في أول ما حج فلبى بحج وعمرة جميعًا، فهو كذلك يلبي بهما جميعًا، فمر على سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان فقال أحدهما: لأنت أضل من جملك هذا، فقال الصبي: فلم يزل في نفسي حتى لقيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له، فقال: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم» [صحيح أبي داود، سليمان بن الأشعث، رقم 1578].
• رغبة عمر في التمتع شخصيًّا: ثبت عن ابن عباس قال: «سمعت عمر يقول: لو اعتمرت، ثم اعتمرت، ثم حججت فتمتعت» [مصنف ابن أبي شيبة، أبو بكر بن أبي شيبة، 3/228؛ وصححه الألباني في جامع تراثه، 11/319].
• النهي لم يكن تحريمًا شرعيًّا: يوضح عالمهم الجصاص في أحكامه أن موقف عمر لم يكن بدافع المنع الفقهي؛ حيث قال: «ففي هذا الخبر اختياره للمتعة، فثبت بذلك أنه لم يكن ما كان منه في أمر المتعة على وجه النهي، وإنما كان على وجه اختيار المصلحة لأهل البلد تارة، ولعمارة البيت أخرى» [أحكام القرآن، الجصاص، 1/356].
• رجوع عمر للقول بالفضل: بيَّن الشيخ الألباني أن عمر أكد على فضل التمتع وجوازه؛ حيث قال: «وقد صح عن عمر الرجوع إلى القول بها في الحج، روينا من طريق شعبة..، عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: لو اعتمرت في سنة مرتين، ثم حججت، لجعلت مع حجتي عمرة..، فقد رجع عمر رضي الله عنه إلى القول بالمتعة اتباعًا للسنة» [حجة النبي صلى الله عليه وسلم كما رواها جابر، للألباني، ص 89].
ويؤيده شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: «فقد صح عن عمر وعثمان وغيرهما المتعة قولًا وفعلًا، فهذا عمر يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل المتعة هو وأصحابه» [شرح العمدة في الفقه، ابن تيمية، 1/525].
ثانيًا: النهي من قبيل السياسة الشرعية المنوطة بالمصلحة
تقوم القواعد الفقهية الكبرى على أن: «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة» [الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص 104].
ومن ثم؛ فإن لولي الأمر والسلطان الحق في أن يوجه الرعية لترك أمر مباح أو مستحب؛ قصدًا لحملهم على ما هو أفضل منه وأكثر نفعًا للمجتمع، دون أن يغير هذا التصرف أصل الحكم الشرعي:
• سياسة السلطان في المباحات: يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأصل السيادي بقوله: «فقد ينهى السلطان بعض رعيته عن أشياء من المباحات والمستحبات؛ لتحصيل ما هو أفضل منها من غير أن يصير الحلال حرامًا» [شرح العمدة في الفقه، 1/528].
• مفهوم السياسة الشرعية: يوضح ابن القيم أن السياسة تتبع الصلاح العام؛ وحيث يقول: «فقال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: "إلا ما وافق الشرع" أي: لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط» [الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن قيم الجوزية، ص 12].
• توجيه نهي عمر عن المتعة: يفسر ابن القيم صنيع الفاروق في الحج بأنه تنظيم زمني مقصود؛ فقال: «فصل في سياسة الصحابة في قيادة الأمة من بعده صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك: اختياره للناس الإفراد بالحج؛ ليعتمروا في غير أشهر الحج، فلا يزال البيت الحرام مقصودًا..، والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة، تختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة» [الطرق الحكمية، ص 12-13].
ويؤكد الإمام الخادمي هذا الإلزام بقوله: «كل مباح أمر به الإمام لمصلحة داعية لذلك فيجب على الرعية إتيانه» [بريقة محمودية، محمد الخادمي، 1/62]. فكان نهي عمر حثًا على الأكمل، ولم يكن تشريعًا بالتحريم.
ثالثًا: المقاصد والعلل الشرعية لنهي عمر عن متعة الحج
حفظت الروايات التاريخية والحديثية العلل والمصالح الظاهرة التي بنى عليها عمر نهيه التنظيمي، وهي علل تدور حول تعظيم الكعبة ونفع أهل الحرم:
• العلة الأولى: إعمار البيت الحرام طوال العام ومنع هجرانه: أوضح علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه العلة في مناقشته لعمر؛ حيث روى البيهقي في سننه: «أن عليًّا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنهيت عن المتعة؟ قال: لا، ولكني أردت كثرة زيارة البيت، قال: فقال علي رضي الله عنه: من أفرد الحج فحسن، ومن تمتع فقد أخذ بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم» [السنن الكبرى، أحمد بن الحسين البيهقي، 5/30].
ويشرح ابن تيمية هذا المقصد بقوله: «وإنما وجه ما فعلوه أن عمر رأى الناس قد أخذوا بالمتعة، فلم يكونوا يزورون الكعبة إلا مرة في السنة في أشهر الحج، ويجعلون تلك السفرة للحج والعمرة، فكره أن يبقى البيت مهجورًا عامة السنة، وأحب أن يعتمر في سائر شهور السنة ليبقى البيت معمورًا مزورًا كل وقت بعمرة ينشأ لها سفر مفرد» [شرح العمدة، 1/528].
ونقل عن يوسف بن ماهك وعروة بن الزبير قولهما: «إنما نهى عمر رضي الله عنه عن متعة الحج من أجل أهل البلد؛ ليكون موسمين في عام، فيصيب أهل مكة من منفعتهما..، إرادة ألا يعطل البيت في غير أشهر الحج» [شرح العمدة، 1/528].
وبذلك تتحقق منفعة أهل الحرم وتنشط حركة الزيارة؛ تحقيقًا للدعوة الإبراهيمية: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37].
• العلة الثانية: تحقيق الصورة المثالية للنسك بالفصل بين الحج والعمرة: روى البيهقي عن أبي نضرة عن جابر رضي الله عنه قال في خطبة عمر: «فصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم»؛ وعلق البيهقي عليها قائلًا: «ووجدنا في قول عمر رضي الله عنه ما دل على أنه أحب أن يفصل بين الحج والعمرة؛ ليكون أتم لهما، فحملنا نهيه عن متعة الحج على التنزيه، وعلى اختيار الإفراد على غيره لا على التحريم» [السنن الكبرى، البيهقي، 7/335].
• وأورد الجصاص عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: «كان عمر يقول: إن الله قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، وقال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] فأخلصوا أشهر الحج للحج، واعتمروا فيما سواها من الشهور؛ وذلك لأن من اعتمر في أشهر الحج لم تتم عمرته إلا بهدي، ومن اعتمر في غير أشهر الحج تمت عمرته إلا أن يتطوع بهدي غير واجب، فأخبر في هذا الخبر بجهة اختياره للتفريق بينهما» [أحكام القرآن، الجصاص، 1/355].
فنظر عمر إلى أن إفراد كل نسك بسفرة مستقلة وبذل مشقة منفصلة هو الأتم والأكمل أثرًا.
• العلة الثالثة: منع الترفه الزائد صيانةً لهيبة الحج وجلاله: روى مسلم في صحيحه أن أبا موسى الأشعري كان يفتي بالمتعة، فذكروا له نهي عمر، فلقي عمر وسأله؛ «فقال عمر: قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم» [صحيح مسلم، كتاب الحج، باب: في نسخ الأمر بالتحلل، 2/896، رقم 1222]. فالقرآن حث على اتباع الأكمل؛ حيث قال تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18].
• وكان عمر يرى أن خروج الحاج للنسك مباشرة وهو في حالة شعث وتجرد وتفرغ روحي تام، أفضل من التحلل والتمتع بالنساء والطيب قبل الحج بأيام قليلة؛ ويقول الحافظ ابن حجر في توجيه هذا الفهم الفقهي: «وكان من رأي عمر عدم الترفه للحج بكل طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمر الميل إلى ذلك، بخلاف من بعد عهده به» [فتح الباري، ابن حجر، 3/418].
• فكل هذه المبررات تكشف عن فكر تنظيمي عالٍ لم يبتدع ممارسة جديدة خارجة عن صور النسك الشرعية.
رابعًا: إلزام الشيعة باعتراف كتبهم بجهلهم بمناسك الحج قبل الباقر
إذا كان الطاعنون يشنون حملة على عمر رضي الله عنه لأنه وجّه المسلمين لأداء نسك بطريقة تنظيمية تحقق تعظيم البيت الحرام؛ فإن كتب الشيعة المعتمدة تورد روايات صادمة تقرر أن أئمتهم المعصومين (علي، والحسن، والحسين، وزين العابدين) كتموا علم الحج ومناسكه عن أتباعهم طوال عقود، حتى ظل الشيعة لا يعرفون كيف يحجون حتى عصر محمد الباقر:
• رواية الكافي الفاضحة: روى الكليني في الكافي بإسناد صححه المجلسي في مرآة العقول (7/108)، عن عيسى بن السري أبي اليسع قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني بدعائم الإسلام..، ثم كان محمد بن علي أبو جعفر، وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر، وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم..،» [الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، 2/20].
• وجه الإلزام: إن هذا يوقعهم في تناقض صارخ؛ فكيف تعيبون على الفاروق وهو الخليفة الذي يحج بالمسلمين علانية، ويعلمهم مناسك الحج، ويجتهد لحثهم على عمارة الكعبة طوال العام تلبية للسنة؛ في حين تقرون وتصححون روايات تنص على أن أئمتكم تركوا شيعتهم يعيشون في جهل مطبق بمناسك الحج الأساسية طوال عهد أربعة أئمة معصومين؟! فمن كان معلمًا مرشدًا أولى بالثناء ممن وُصف في كتبكم بترك تبيين أحكام الدين لأتباعه.
الخلاصة:
• ثبوت مشروعية التمتع عند عمر: تبرهن الأحاديث الصحيحة على أن عمر كان يرى متعة الحج سُنّة مشروعة ثبتت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وصرّح بذلك للرواة، بل وتمنى فِعلها بنفسه، مما ينفي فرية إنكاره للأحكام.
• النهي تنظيمي لا تحريمي: تبين فقهيًّا أن نهي عمر كان تطبيقًا لقواعد السياسة الشرعية التي تبيح للحاكم توجيه الرعية لترك أمر مستحب مؤقتًا؛ من أجل تحقيق مصلحة عامة كبرى وأكثر نفعًا للمسلمين.
• المقاصد العمرانية والتربوية: انحصرت علل النهي في مقاصد شرعية جليلة؛ أهمها إعمار الكعبة بالمعتمرين طوال أشهر السنة لمنع هجرانها، وتحقيق الأجر الأكمل للمسافر بفصل كل نسك في سفرة مستقلة، وصيانة جلال الحج وهيبته من الترفه المبالغ فيه.
اقرأ أيضا| فرية محاولة عمر رضي الله عنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة
• انقطاع الشبهة بالإلزام: تكفلت الروايات الصحيحة في كتب الشيعة (كالكافي) بإسقاط المطعن؛ إذ اعترفت بأن الشيعة جهلوا مناسك حجهم بالكامل حتى عصر الإمام الخامس، مما يجعل تشغيبهم على عمر الذي نظم مناسك الأمة وعلمها للناس ضربًا من التناقض الطائفي الساقط علميًّا.
لتحميل الملف pdf