أورد هذه الشبهةَ كثيرٌ من كُتَّاب الشيعة ومراجعهم؛ ومنهم الشيرازي في كتابه ليالي بيشاور، والتيجاني في كتابه ثم اهتديت، ومحمد صادق النجمي في كتابه أضواء على الصحيحين؛ حيث حشدوا جهودهم حول رواية أخرجها الشيخان، واللفظ هنا للإمام مسلم:
«عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلًا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماءً، فقال: لا تصل. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين؛ إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماءً، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك؟ فقال عمر: اتق الله يا عمار قال: إن شئت لم أحدث به، قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، مثل حديث ذر، قال: وحدثني سلمة، عن ذر، في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم، فقال عمر: نوليك ما توليت» [صحيح مسلم، 1/280].
وزعموا أن فتوى عمر رضي الله عنه بترك الصلاة لمن لم يجد الماء حال الجنابة تعد مخالفة صريحة للقرآن والسنة؛ ودليلًا قاطعًا على جهله بالحكم وعدم إحاطته بالعلوم الشرعية.
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: حقيقة مذهب عمر الفقهي في قصر التيمم على الحدث الأصغر
إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن جاهلًا بآية التيمم، بل كان فقيهًا مجتهدًا بنى رأيه على استنباط دقيق من نص القرآن الكريم، ويرى أن التيمم رخصة تخص الحدث الأصغر (الوضوء) ولا تجزئ في الحدث الأكبر (الجنابة)؛ والذي يرى أن فرض صاحبه الغسل بالماء حصرًا:
• توجيه الاستنباط: جعلت آية النساء حكم الجنب الغسل مطلقًا؛ حيث قال سبحانه: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}، ثم انتقلت إلى ذكر التيمم بعد عطف ملامسة النساء أو مجيء الغائط؛ فاشتبه على بعض المشرعين هل اللمس هنا هو المباشرة باليد (الحدث الأصغر) أم الجماع؟ فمن رأى أنه لمس اليد جعل التيمم للحدث الأصغر فقط، ومن رأى أن الآية لم تصرّح بحكم الجنب عند فقد الماء، أوجب عليه الانتظار حتى يجد الماء فيغتسل؛ تعظيمًا لشأن الطهارة من الجنابة.
• دلالة تمعك عمار بالتراب: مما يؤكد أن المسألة كانت محل نظر واجتهاد خفي حتى على كبار الصحابة، أن عمار بن ثعلبة رضي الله عنه نفسه جهل صفة تيمم الجنب في تلك الحادثة؛ فظن أن الجنابة تحتاج طهارة تشمل البدن كله كالغسل، فتمعك وتمرغ في التراب كالدابة؛ حتى علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصفة الصحيحة.
• اقتناع عمر الصامت برواية عمار: يوضح علماء الأمة أن مراجعة عمر لعمار لم تكن تكذيبًا، بل تثبتًا؛ وحين قال له عمار: "إن شئت لم أحدث به" طاعةً لك بصفق الإمارة، سكت عمر وأقره؛ ويقول ابن عبد البر في ذلك: «فالجواب: أن عمر كان يذهب إلى أن الجنب لا يجزيه إلا الغسل بالماء، فلما أخبره عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن التيمم يكفيه، سكت عنه ولم ينهه، فلما لم ينهه علمنا أنه قد وقع بقلبه تصديق عمار؛ لأن عمارًا قال له: إن شئت لم أذكره، ولو وقع في قلبه تكذيب عمار لنهاه؛ لما كان الله قد جعل في قلبه من تعظيم حرمات الله، ولا شيء أعظم من الصلاة، وغير متوهم على عمر أن يسكت على صلاة تصلى عنده بغير طهارة، وهو الخليفة المسؤول عن العامة، وكان أتقى الناس لربه، وأنصحهم لهم في دينهم في ذلك الوقت رحمة الله عليه» [التمهيد، 19/273].
ثانيًا: موافقة عبد الله بن مسعود لفهم عمر في ذات المسألة
لم ينفرد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بهذا الفهم الفقهي والاجتهاد في الآية، بل شاركه فيه وعمل به فقيه الأمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وظل يفتي به؛ نظرًا لاحتمالات اللفظ القرآني:
• اختلاف الصحابة في تفسير اللمس: بيَّن الحافظ ابن الجوزي في كتابه كشف المشكل وجه هذا الخلاف الأصولي فقال: «ولكن ابن مسعود رأى أن الآية لا تتضمن التيمم، إنما تختص بالحدث الأصغر؛ فلذلك لم ير جواز التيمم للجنب. وقد اختلف الناس في هذه الآية: فمنهم من قال: إنما دلت على التيمم من الحدث الأصغر فقط، وهم القائلون بأن اللمس لمس اليد. قالوا: وإنما استفدنا جواز التيمم للجنب من حديث عمار، ويدل عليه أنه لما تمعك عمار في التراب، وأخبر رسول الله بفعله، قال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وعلمه التيمم، ولم يرده إلى بيان الآية، ولو كان فيها بيان ذلك لقال كما قال لعمر في شأن الكلالة: يكفيك آية الصيف» [كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي، 1/342].
فكيف يُرمى الخليفة بالجهل في مسألة نظرية دارت بين جهابذة الصحابة وفقهاء الأمة؟!
ثالثًا: دلالة العبارة دحض لمزاعم الاستبداد وإقرار صريح لعمار
إن هذه الرواية بعينها تهدم أصولًا أخرى للشيعة؛ إذ يزعمون دائمًا أن عمر كان يفرض رأيه بالقوة، ويمنع السُنّة، ويتحكم في الرواة:
• معنى اتق الله يا عمار: لم يكن قول عمر لعمار زجرًا أو تكذيبًا لعَدالته؛ بل هو من باب الشدة في التثبت والتحري والاحتياط في نقل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: تيقن وتثبت يا عمار فيما ترويه فالمقام مقام تشريع وعلم. [كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي، 1/345].
• معنى نوليك ما توليت: حين قال عمر لعمار: «نوليك ما توليت»؛ فالمعنى الإداري والشرعي لها: ندعك وما تتقلد وتختار لنفسك من الرواية والفتيا والعمل بهذا الحديث؛ وفي هذا تفويض وإقرار صريح من الخليفة لعمار أن يحدث بالسُنّة ويعمل بها، وهو ما يبطل فرية الاستبداد الفكري أو قمع الصحابة.
رابعًا: ثبوت تزكية النبي صلى الله عليه وسلم لعلم عمر وفقهه بنصوص قطعية
إن مقام عمر بن الخطاب العلمي أرفع من أن تنال منه شكوك الطاعنين؛ فقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقه والملهمية في نصوص صحيحة مستفيضة:
• حديث قدح اللبن: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من أطرافي، فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب» فقال من حوله: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: «العلم» [صحيح البخاري، 9/35].
• حديث لو كان بعدي نبي: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كان من بعدي نبي، لكان عمر بن الخطاب» [سنن الترمذي، 6/59].
• حديث الحق على لسان عمر: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» [رواه أحمد، 2/152].
خامسًا: إلزام الشيعة بوقوع الجهل في الأحكام والسنن لأئمتهم
إذا كان الطاعنون يزعمون أن خفاء حكم فرعي، أو الذهاب إلى اجتهاد مرجوح في مسألة طهارة، يسقط أهلية الإمام ويوجب تجهيله؛ فإن كتب الشيعة المعتمدة تطفح بروايات تثبت جهل علي بن أبي طالب وأولاده بأحكام وسنن واضحة؛ ومع ذلك لا يجرؤ أحد على تجهيلهم:
• جهل علي بحكم المذي بكتبهم: روى يوسف البحراني عن إسحاق بن عمار، في الصحيح، عن الصادق عليه السلام قال: «سألته عن المذي، فقال: إن عليًّا عليه السلام كان رجلًا مذاءً، واستحيا أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لمكان فاطمة عليها السلام فأمر المقداد أن يسأله وهو جالس، فسأله، فقال له: ليس بشيء» [تهذيب الأحكام، 1/17؛ وسائل الشيعة، 1/196؛ الحدائق الناضرة، 2/108].
فها هو علي رضي الله عنه يجهل حكم طهارة المذي حتى أرسل من يسأل له؛ فهل يسقط علمه؟!
• جهل علي بقرابة الرضاع وابنة حمزة: روى الكليني في الكافي في الصحيح عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على أختها من الرضاعة، وقال: إن عليًّا عليه السلام ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة حمزة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه حمزة عليه السلام قد رضعا من امرأة» [الكافي، 10/893].
وقد صحح هذه الرواية أساطين علمائهم ومحققيهم كعلي أكبر غفاري في تعليقه على من لا يحضره الفقيه، والمجلسي الأول في روضة المتقين، والمجلسي الثاني في مرآة العقول، والبحراني في الحدائق، والحلي في تذكرة الفقهاء. [من لا يحضره الفقيه، 3/411؛ روضة المتقين، 8/236؛ مرآة العقول، 20/220].
فكيف يجهل علي القاعدة الفقهية الكبرى: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [صحيح البخاري، رقم 2645]؛ ويذهب ليخطب ابنة عمه حمزة وهو لا يدري أنها محرمة عليه برضاع جده ونبيه؟!
• جهل جعفر الصادق بحرمة قلع حشيش الحرم بمنى: اعترف المجلسي الأول بجهل الصادق للحكم في صغره؛ حيث قال: «ويمكن حمل النهي في غير الداخل على الكراهة، كما يظهر مما رواه الشيخ في الصحيح، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رآني علي بن الحسين عليهما السلام وأنا أقلع الحشيش من حول الفساطيط بمنى، فقال: يا بني، إن هذا لا يقلع، وإن أمكن حمله على إرادة القطع أو يكون صغيرًا غير مكلف، وجوزنا الجهل عليهم في الصغر» [روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، محمد تقي المجلسي، 4/166].
• جهل الصادق بحكم أذية الخطاف بالحرم: روى الكليني بإسناده عن جميل بن دراج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قتل الخطاف، أو إيذاههن في الحرم، فقال: «لا يقتلن، فإني كنت مع علي بن الحسين عليهما السلام فرآني وأنا أوذيهن، فقال لي يا بني لا تقتلهن ولا تؤذهن، فإنهن لا يؤذين شيئًا» [الكافي، الكليني، 6/224؛ ووصف المجلسي إسناده بأنه حسن في مرآة العقول، 21/370].
وهنا يتضح التناقض الصارخ؛ فإذا كان جهل أئمة الشيعة بالسنن والأحكام الفقهية في صغرهم أو كبرهم أمرًا واقعًا في رواياتهم الصحيحة ومبررًا ومقبولًا، فلماذا يُعد اجتهاد الفاروق عمر بن الخطاب في فهم آية قرآنية معضلة جهلًا يسقط إمامته وفقهه؟!
الخلاصة:
• مذهب اجتهادي لا جهل مطبق: تبين علميًّا أن موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان اجتهادًا فقهيًّا سائغًا في تفسير آية التيمم، مبنيًّا على قصر الرخصة على الحدث الأصغر تضييقًا للاستهانة بالطهارة الكبرى، ولم يكن جهلًا بوجود الحكم الشرعي.
• الموافقة الفقهية: ثبت أن عمر رضي الله عنه لم يكن بدعًا في هذا الرأي، بل وافقه فقيه الأمة عبد الله بن مسعود، مما يؤكد أن المسألة من مسائل الخلاف الفقهي المعتبرة بين الصحابة الأجلاء وليست طعنًا في الدين.
• إقرار حرية الرواية: كشفت الرواية عن كمال إنصاف عمر رضي الله عنه وتواضعه؛ حيث فوض عمارًا بقوله "نوليك ما توليت"؛ ليفتي ويحدث بما حفظه من السُنّة، مما ينسف دعاوى الديكتاتورية المزعومة.
اقرأ أيضا| زعمهم أن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كان يتهم أبا هريرة رضي الله عنه بعدم العدالة
• طرد القياس الشرعي للإلزام: برهنت الروايات الصحيحة في كتب الشيعة على وقوع الجهل والنسيان وخفاء السنن في شؤون الطهارة والرضاع والحرم على علي بن أبي طالب وجعفر الصادق؛ مما يلزم الطاعن بإسقاط شبهته طردًا للقاعدة؛ إذ إن خفاء المسائل الفرعية لا يقدح في رتبة الإمامة والعلم والفضل العظيم.
لتحميل الملف pdf