أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه أول من حرم نكاح المتعة

أورد هذه الشبهة كثير من كتاب الشيعة؛ ومنهم التيجاني في كتابه "ثم اهتديت" حيث قال: «ثم كانت خلافة عمر بن الخطاب نتيجة حتمية لذلك الاجتهاد..؛ فأحل ما حرم الله ورسوله، وحرم ما أحل الله ورسوله» وعلق في الهامش واصفًا صنيعه: «كتحريمه متعة الحج ومتعة النساء» [ثم اهتديت، ص 167].

وعمدة أدلتهم التي يحتجون بها، روايات جاءت عن بعض الصحابة كحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه حين قال: «متعتان كانتا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنهانا عنهما عمر، فانتهينا» [رواه أحمد، 22/365].

وبناء على هذا زعموا أنه رضي الله عنه عارض النص النبوي وحرم ما كان حلالًا مستفيضًا.

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: ثبوت تحريم المتعة الأبدي من فم النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب

إن الذي حرم نكاح المتعة تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن رخص فيه رخصة مؤقتة في بعض الغزوات لعوارض الضرورة، وقد استفاضت النصوص القطعية في ذلك:

•          نص التحريم الأبدي: روى مسلم في صحيحه عن سبرة الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، إني قد كنت أذنبت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا» [صحيح مسلم، 4/134].

•          شهادة علي بن أبي طالب: ثبت في الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لابن عباس: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر» [متفق عليه].

•          تحقيق زمن النسخ: تنازع العلماء في رواية علي رضي الله عنه؛ فمنهم كسفيان بن عيينة وأبي عوانة من رأى أن قوله "يوم خيبر" خاص بتحريم الحمر الأهلية، أما المتعة فسكت عنها في ذلك اليوم وإنما حرمت عام الفتح؛ وقال ابن حجر: «وقيل: إنها حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت، ثم حرمت مرة أخرى، وعلى وجه العموم فقد ثبت تحريمها بالاتفاق عام الفتح من فم النبي صلى الله عليه وسلم، واستقر الأمر على النهي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم» [فتح الباري، ابن حجر، 9/73].

ثانيًا: توجيه حديث جابر واستناد عمر إلى النص النبوي

إن حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه الذي يستدلون به غاية ما فيه أن بعض الصحابة أو العوام في أطراف البلاد لم يكن قد بلغهم نسخ الحكم وتحريمه الأبدي، نظرًا لعدم انتشار وسائل البلاغ حينها وانشغال الأمة بفتن الردة في عهد الصديق رضي الله عنه:

•          توجيه ابن العربي لعهد أبي بكر: يوضح ابن العربي المالكي هذا العارض التاريخي بقوله: «فأما حديث جابر بأنهم فعلوها على عهد أبي بكر، فذلك من اشتغال الخلق بالفتنة عن تمهيد الشريعة، فلما علا الحق على الباطل، وتفرغ المسلمون، ونظروا في فروع الدين، بعد تمهيد أصوله، أنفذوا في تحريم المتعة ما كان مشهورًا لديهم حتى رأى عمر معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن حريث فنهاهما» [عارضة الأحوذي، ابن العربي، 3/51].

•          تصريح عمر بالاستناد إلى السنة: لم ينه عمر رضي الله عنه عن المتعة اجتهادًا شخصيًّا، بل صعد المنبر مصرحًا ومستندًا إلى نهي النبي صلى الله عليه وسلم؛ وثبت في السنن عن ابن عمر قال: «لما ولي عمر خطب فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا في المتعة ثلاثًا، ثم حرمها» [سنن ابن ماجه، رقم 1963].

وفي رواية ابن المنذر والبيهقي عن سالم عن أبيه قال: «صعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة بعد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم» [فتح الباري، ابن حجر، 9/77].

وقد أقر الصحابة كلهم عمر على هذا الإعلان ولم ينكر عليه أحد، فصار إجماعًا سكوتيًّا على النقل.

ثالثًا: المقصد التشريعي لإضافة عمر النهي إلى نفسه

حين قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر: «وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما»، فإن إضافة النهي والعقوبة لشخصه هي إضافة تنفيذية سلطانية، وليست إضافة تشريعية إنشائية:

•          إن الفسقة وعوام الناس قد يترخصون في الأحكام الخفية أو يتبعون الشهوات ما لم يكن هناك رادع من السلطان؛ فكان لا بد لعمر باعتباره ولي الأمر الحازم أن يتدخل بسلطة الدولة لمنع المخالفة وإقامة الحد؛ فنسب النهي لنفسه من باب الإلزام السياسي والزجر العقابي، لا من باب اختراع الأحكام وتغيير الشرائع.

رابعًا: سقوط قصة "عفراء أخت عمر" وبيان كذبها التاريخي

يحاول بعض علماء الشيعة إيجاد دافع شخصي لعمر بن الخطاب في منع المتعة؛ فاخترعوا قصة كاذبة ساقطة تفتقر لأدنى درجات الصحة التاريخية:

•          القصة المخترعة: زعم محمد باقر المجلسي في بحاره أن عمر بن الخطاب دخل على أخته "عفراء" فوجد في حجرها طفلًا يرضع من لبن المتعة فغضب وأرعد، وصعد المنبر وحرمها على المسلمين [بحار الأنوار، المجلسي، 100/303].

•          جهل الواضع بأولاد الخطاب: إن هذه القصة تالفة مكذوبة لسبب بسيط وهو أنه لا توجد لعمر بن الخطاب أخت اسمها عفراء أصلًا؛ وقد اعترف محقق كتاب بحار الأنوار (الشيعي) بكذب هذه الرواية وسقوطها في تعليقه قاصدًا رد الفضيحة التاريخية؛ حيث قال: «لم يكن للخطاب ابن نفيل سوى عمر بن الخطاب، وصفية، وأميمة..، ولم يذكر النسابون في ولد الخطاب بنتًا اسمها عفراء، واحتمال أن تكون هي إحدى البنتين لا يمكن؛ لأنهما كانتا متزوجتين..، وأظن القصة مجعولة مختلقة» [بحار الأنوار، هامش 1/304، وهامش 23/28].

خامسًا: ورود روايات تحريم النبي صلى الله عليه وسلم للمتعة في مصادر الشيعة وتهافت تبريرها

وقع علماء الشيعة في مأزق فقهي كبير؛ إذ إن أمهات كتبهم المعتمدة روت نصوصًا واضحة تنص على أن النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه هما من حرما المتعة، وليست من اختراع عمر رضي الله عنه:

•          رواية الطوسي الفاصلة: روى شيخ طائفتهم الطوسي بسنده عن علي عليه السلام قال: «حرم رسول الله صلى الله عليه وآله لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة» [الاستبصار، 3/142؛ تهذيب الأحكام، 7/251].

•          دعوى التقية الواهية: حاول الطوسي دفع هذه الرواية الصادمة بزعمه أنها وردت مورد "التقية" لأنها توافق أهل السُنّة [الاستبصار، 3/142]؛ وهذا التبرير يسقط تمامًا بشهادة مرجعهم الأعلى علي السيستاني الذي يقرر بقوة أن أحاديث المتعة ومسائل الخلاف الكبرى لا يدخلها باب التقية مطلقًا؛ حيث يقول: «إن الملاحظ في الروايات الصادرة عنهم عليه السلام عدم التقية في مجال الأصول العقائدية الخاصة بالمذهب..، وكذلك في الفروع الواقعة محل النزاع الشديد كالمتعة، والمسح على الخفين..، فإن الأحاديث صدرت فيها بلا تقية أصلًا، بل ألفت فيها الكتب..، فمن لا يتقي في أصول الفكر ومهمات المسائل، كيف يتقي في المسائل الفرعية الجانبية؟!» [اختلاف الحديث من محاضرات سماحة آية الله علي السيستاني، هاشم الهاشمي، ص 109].

فإذا بطلت دعوى التقية في مسألة المتعة بشهادة السيستاني، ثبتت صحة رواية الطوسي عن علي بن أبي طالب في تحريم النبي صلى الله عليه وسلم للمتعة يقينًا.

•          رواية الكافي المنعية: روى الكليني في الكافي بسنده عن معمر بن خلاد قال: «سألته أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل يتزوج المرأة متعة فيحملها من بلد إلى بلد؟ فقال: يجوز النكاح الآخر، ولا يجوز هذا»؛ وزعم المجلسي في مرآة العقول (20/257) أنها تقية، والرد عليه يساق بفتوى السيستاني السابقة ذاتها.

سادسًا: إقرار علي بن أبي طالب للتحريم في عهد خلافته

إن دعوى انفراد عمر بتحريم المتعة يبطلها صنيع علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه خلال فترة حكمه وخلافته الراشدة:

•          لقد تولى علي بن أبي طالب الخلافة وبسط يده وسلطانه على البلاد، وكان قد اشترط في البيعة أن يسير بكتاب الله وسُنّة نبيه لا بسيرة الشيخين (أبي بكر وعمر) إن خالفت؛ ومع ذلك لم يصدر عن علي طوال حكمه قرار واحد يبيح نكاح المتعة أو يدعو الناس إليه، بل أقره على المنع والحظر العملي؛ وإقراره عليه وهو حاكم مطلق يبرهن يقينًا على أن التحريم حكم شرعي نبوي مستقر لا يملك علي ولا غيره تبديله.

سابعًا: تناقض الشيعة في تجويز التحريم للمرجع الشيعي ومنعه عن عمر

من عجائب التناقض لديهم، أنهم يشنون هجومًا عنيفًا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأنه بلّغ ونفّذ منع المتعة؛ بينما يجيزون لمراجعهم المعاصرين تعطيل هذا النكاح وإصدار فتاوى بتحريمه لمجرد المصلحة:

•          فتوى السيستاني في إجازة التحريم: وُجِّه سؤال مباشر إلى السيستاني عبر شبكته الرسمية جاء فيه: «هل يحق للفقيه تعطيل زواج المتعة أو تحريمه، إذا اقتضت الضرورة ذلك؟ الفتوى: يجوز» [المصدر شبكة السراج، رقم الفتوى 203].

•          وجه الإلزام والتناقض: إذا كان يحق للفقيه أو المرجع الشيعي المعاصر (وهو رجل غير معصوم وليس صحابيًا) أن يعطل ويحرم نكاح المتعة إذا اقتضت الضرورة والمصلحة بنظركم؛ فلماذا تحرمون على الفاروق عمر بن الخطاب (وهو الخليفة الراشد الملهم) أن ينفذ نهي رسول الله ويمنع المتعة صيانة للأعراض والمجتمع؟! إن هذا يبرهن على الكيل بمكيالين والتشغيب الطائفي المحض.

الخلاصة:

•          أصل التحريم نبوي: ثبت بالدليل القطعي من مصادر الطرفين أن نكاح المتعة حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة، وشهد بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

•          الدور التنفيذي لعمر: تبرهن خطب عمر رضي الله عنه على المنبر أنه لم يخترع الحكم من عنده، بل نقله مستندًا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، واستخدم سلطته التنفيذية لزجر من لم يبلغه الحكم من الأطراف أو من حاول التمادي فيه شهوة.

•          تهافت المرويات الكاذبة: سقطت الروايات التي تحاول شخصنة الموقف كقصة أخته عفراء؛ لثبوت جهل واضعيها بنسب الخطاب وأولاده بشهادة محققي الشيعة أنفسهم.

•          إبطال دعوى التقية: تهافت مخرج التقية الذي تمسك به الشيعة لدفع روايات التحريم عندهم؛ بعد أن أقر مرجعهم المعاصر السيستاني بأن مسائل المتعة لم تصدر فيها التقية مطلقًا؛ مما يثبت التحريم في كتبهم.

اقرأ أيضا| زعمهم أن عمر رضي الله عنه كان يجيز نكاح المتعة: «ويشير بيده: مهرٌ مهرٌ»

•          التناقض العملي: تبين أن عليًّا أقر المنع في خلافته ولم يغيره، وأن مراجع الشيعة اليوم يبيحون لأنفسهم تحريم وتعطيل هذا النكاح؛ مما يقطع دابر أي مطعن يوجه لسياسة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.


لتحميل الملف pdf

تعليقات