أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه قال: «لولا علي لهلك عمر»

يتمسك الطاعنون في الصحابة برواية مشهورة على الألسنة؛ زاعمين أنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه جهل حكم رجم المجنونة الزانية حتى نبَّهه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأطلق عبارته: «لولا عليٌّ لهلك عمر»؛ ويحاولون توظيف هذا الأثر للطعن في أهلية الفاروق الفقهية وشروط إمامته، وهي شبهة متهافتة تسقط أمام التحقيق العلمي الحديثي والمقارنة التراثية.

فادعى كاتبهم علي بن يونس العاملي أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر برجم امرأة مجنونة شهدوا عليها بالزنا، فذكَّره علي رضي الله عنه بالحديث؛ حيث قال: «وكذا أمر برجم مجنونة شهد عليها بالزنا، فأخرج البخاري أن عليًّا قال له: أما علمت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: رفع القلم عن المجنون حتى يفيق؟! فقال: لولا عليٌّ لهلك عمر» [الصراط المستقيم، علي بن يونس العاملي، 3/15].

وعلَّق كاتبهم الأميني على ذلك محاولًا سلب رتبة الاجتهاد عن عمر بناءً على قواعد الجويني في اشتراط الاجتهاد للإمام؛ حيث قال: «فأين يقع من هذا الشرط بعد اتفاق الأمة عليه رجل لم يعط بسطة من العلم، ولم يك ما كان يعلمه يغنيه عن الناس؟» [نوادر الأثر في علم عمر، الأميني، ص 246].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: الكذب على صحيح البخاري وتزييف النقول

إنَّ اللفظ الذي ذكره العاملي ونسبه لصحيح البخاري -وهو قوله: «لولا علي لهلك عمر»- هو من قبيل التدليس والكذب على كتب المسلمين؛ فالرواية موجودة في البخاري معلَّقةً بلفظ ليس فيه هذه الزيادة مطلقًا.

•          اللفظ الثابت في البخاري: «وقال عليٌّ لعمر: أما علِمتَ أنَّ القلم رفع عن المجنون حتَّى يفيق، وعن الصّبيّ حتَّى يدرك، وعن النّائم حتَّى يستيقظ؟» [صحيح البخاري، 8/165].

فليس في الكتاب أي ذكر لعبارة الهلاك المزعومة، وإنما هو إقحام للروايات التاريخية الواهية ونسبتها للصحيح ترويجًا للشبهة.

ثانيًا: بطلان زيادة «لولا علي لهلك عمر» حديثيًّا

لم تثبت هذه اللفظة الزائدة في رواية واحدة صحيحة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند المحدثين والعلماء المحققين:

•          تحقيق أهل الحديث: قال الشيخ إبراهيم الرحيلي: «وهذه الزيادة -وهي قوله: لولا علي لهلك عمر- ليست معروفة في الحديث، ولم يذكرها المحدثون الذين رووا هذا الحديث..، كأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والإمام أحمد، ولم ترد هذه الزيادة في شيء من طرق الحديث» [الانتصار للصحب والآل، ص 370].

•          علة الروايات التاريخية خارج الصحيح: ورد الأثر عند ابن عبد البر في الاستيعاب وفي فضائل الصحابة لأحمد من طريق عبيد الله القواريري، عن مؤمل بن إسماعيل (أو مؤمل بن كثير)؛ ومؤمل هذا: «صدوق سيء الحفظ»، ولذلك حكم محقق الفضائل بقوله: «إسناده ضعيف» [فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، 2/646–647].

•          حكم المحققين: قال شيخ الإسلام ابن تيمية حاسمًا الأمر: «والجواب: أنَّ هذه الزيادة ليست معروفةً في هذا الحديث» [منهاج السُنّة النبوية، 6/45].

أما رواية: «كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن» فهي -إن صَحّت- من باب الثناء والاعتضاد، ولا تحمل لفظ الهلاك المفتعل.

ثالثًا: دلالة الأثر الفقهية والأخلاقية (لو تنزلنا بصحته)

لو تنزلنا جدلًا وتماشيًا مع جدل الطاعن بوقوع الحادثة وأصل التنبيه، فإنَّ السياق ينقلب فضيلةً ومنقبةً للشيخين، ولا يحمل أي مطعن:

•          امتثال الأمر الإلهي بالشورى: إنَّ مشاورة عمر للصحابة وأخذه بأقوالهم موافقةً للشريعة هو امتثال لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم المعصوم مأمورًا بالشورى فخلفاؤه أولى.

•          الانصياع للحق والتواضع العظيم: يُثبت الموقف أنَّ عمر رضي الله عنه لم يكن مستبدًا ولا مكابرًا، بل رجاعًا للحق وقافًا عنده بمجرد تذكيره بالدليل، وهذا أسمى علامات التقوى والتواضع.

•          الوزارة الصادقة لعلي: يُبرهن الأثر على أنَّ عليًّا رضي الله عنه كان وزيرًا ومستشارًا أمينًا، حريصًا على سلامة مسيرة الخلافة وعصمة دماء الأمة؛ وسكوته عن بقية أحكام عمر يُمثّل إقرارًا بشرعيتها وصحتها؛ إذ لو كان عمر غاصبًا أو جائرًا لما اقتصر عليٌّ على تنبيهه في المفاريد الفقهية ولَكاشَفَه بالبطلان المطلق. [الجواهر البغدادية، أحمد البغدادي، 5/398].

رابعًا: إلزام الشيعة بمرويات الفقه الإمامي

المفاجأة الكبرى تكمن في أنَّ الحكم الذي خفي على عمر بن الخطاب في أول الأمر (وهو عدم رجم المجنون الزاني) قد خفي على أعاظم علماء ومراجع الشيعة أنفسهم؛ بل إنَّ مروياتهم عن المعصومين توجب إقامة الحد على المجنون إذا زنى، موافقةً لما رآه عمر ابتداءً:

•          فتوى المفيد: «والمجنون إذا زنَى أقيم عليه الحد، فجلدٌ إن كان بكرًا، وجلدٌ ورجمٌ إن كان محصنًا» [المقنعة، المفيد، ص 779].

•          فتوى الطوسي والصدوق وابن البراج: أجمعوا على أنَّ المجنون إذا زنى أو لاط يُقام عليه الحد تامًا رَجمًا أو جلدًا؛ وعلَّل الصدوق ذلك بقوله: «لأنَّ المجنون يأتي وهي تؤتى» [النهاية، الطوسي، ص 696]؛ [المقنع، الصدوق، ص 436]؛ [المهذب، ابن البراج، 2/530].

•          مستندهم من الروايات: بيَّن الحلي مستند هذه الأحكام؛ وهي رواية أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام قال: «إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد، فإن كان محصنًا رُجِم» [مختلف الشيعة، الحلي، 9/146].

•          وجه الإلزام: إذا كان الإمام المعصوم عندهم (الصادق) وفقهاؤهم الأكابر يوجبون رجم المجنون المحصن بالروايات المعتمدة؛ فكيف يستنكرون على عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رأى مثل هذا الرأي قبل تذكيره بالحديث؟! وأين يذهب طعن الأميني في علم عمر إذا كان أقطاب الدين الإمامي يفتون بذات الفتوى؟!

خامسًا: عدم قدح العوارض الذهنية والاشتباه في رتبة الاجتهاد

إنَّ خفاء بعض المسائل الفرعية أو الذهول عن حالة المتهم (كعدم العلم بجنون المرأة ابتداءً أو التفكير في العقوبة تعزيرًا لدفع أذاها) لا يقدح مطلقًا في رتبة الاجتهاد العظمى؛ فالإنسان عرضة للنسيان والذهول والخطأ في تنقيب الوقائع. [منهاج السُنّة النبوية، 6/45].

بل إنَّ كتب الشيعة المعتمدة تروي أنَّ عليًّا رضي الله عنه نفسه وقع في شبهة واشتباه قَضائي أدى لقطع يد بريء نتيجة شهادة خطأ، ولم يقدح ذلك في علمه ولا إمامته:

•          روى الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل شهد عليه رجلان بأنه سرق فقطع يده، حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر، فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده، إنما شبهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية» [الكافي، 7/384]؛ وصحَّح المجلسي هذا الحديث ووصفه بأنه: «حسن» [مرآة العقول، 24/228].

•          وجه القياس الشرعي: إذا كان خفاء كذب الشهود أو اشتباههم على علي رضي الله عنه -وهو المؤيد بالعلم عند الشيعة- حتى قطع يد رجل بريء لا يقدح في إمامته وعلمه؛ فلماذا يكون خفاء حال المرأة أو نسيان حديث فرعي على عمر بن الخطاب قادحًا في علمه واجتهاده؟!

الخلاصة:

•          التزييف السندي: تبيَّن يقينًا كذب نسبة زيادة «لولا علي لهلك عمر» لصحيح البخاري، وأنها زيادة ضعيفة الأسانيد تاريخيًّا لا تصح نقديًّا لحال مؤمل بن إسماعيل.

•          دلالة التواضع والوئام: ثبت أنَّ أصل الحادثة -إن صَحّ- يُشيد بمبدأ الشورى القرآني، ويُثبت إذعان الفاروق التام للحق، والتعاون الأخوي الصادق بينه وبين أخيه علي رضي الله عنه.

•          تهافت الإنكار: تكفَّلت نصوص كبار علماء الإمامية (كالمفيد والطوسي والصادق) بإثبات ما يوجب رجم المجنون؛ مما يسحق الشبهة من أساسها ويُبطل التشغيب على عمر.

اقرأ أيضا أيضا|  زعمهم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفض أن يسير بسيرة الشيخين

•          العدالة في النقد: تبرهن من واقع رواياتهم (كحادثة قطع اليد الخطأ في الكافي) أنَّ الخطأ الإجرائي أو عوارض القضاء البشري لا تُسقط أهلية القيادة والاجتهاد؛ مما يوجب طرد القياس وصيانة مكانة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعًا.


لتحميل الملف pdf

تعليقات