يتمسك الشيعة برواية في صحيح مسلم وردت فيها أوصاف غليظة (كاذب، آثم، غادر، خائن)؛ زاعمين أن هذه هي عقيدة علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أبي بكر وعمر، وأن أهل السنة أقروا بذلك في أصح كتبهم، بينما الحقيقة أن سياق الرواية والواقع التاريخي ينسفان هذا الاستدلال الواهي.
وفيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لعلي والعباس رضي الله عنهما في قضية ميراث النبي صلى الله عليه وسلم: «فلمَّا توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكرٍ: أنا وليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إنّه لصادقٌ، بارٌّ، راشدٌ، تابعٌ للحقّ، ثمَّ توفّي أبو بكرٍ، وأنا وليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليّ أبي بكرٍ، فرأيتماني كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إنّي لصادقٌ، بارٌّ، راشدٌ تابعٌ للحقّ» [صحيح مسلم، 3/1377]. زعموا أن هذا إقرار من عمر بأن عليًّا يراه بهذه الأوصاف.
انظر: [محاضرات في الاعتقادات، علي الميلاني، 2/492]، [كشف الحقائق، علي آل محسن، ص 156]، [غاية المرام وحجة الخصام، هاشم البحراني، 5/185]..، وغيرها
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بطلان نسبة القول لعلي رضي الله عنه
إن القائل لهذه الأوصاف هو عمر رضي الله عنه نفسه على سبيل الفرض أو الظن بما قد يدور في نفوسهما نتيجة منعهما من الميراث، ولم يقلها علي رضي الله عنه قط.
سقوط الاستدلال عقلًا: إذا كان عمر "صادقًا" في وصف نفسه بالكذب، فقد بطل قوله كله؛ لأن الكاذب لا يُصدق. وإن كان "كاذبًا" في وصف نفسه بالكذب، فقد ثبت صدقه وبطلت التهمة.
الظن لا يغني من الحق: قوله "فرأيتماني" هو تفرس وظن من عمر لما رآه من إصرارهما على الطلب، والظن لا يُبنى عليه حكمٌ يقيني، خاصة وأن عليًّا لم ينطق بتلك الكلمات.
ثانيًا: الشهادة ببر الصديق والفاروق من كتب الشيعة
الدليل على أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا (صادقين، بارين، راشدين) هو عملهما بسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي رواها علماء الشيعة وصححوها.
رواية الكافي: روى الكليني عن الصادق عليه السلام: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أنهم لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا» [الكافي، الكليني، 1/33]، وصححها مراجعهم كالنراقي في [عوائد الأيام، 463] والخميني في [كتاب البيع، 2/645].
اتفاق العمل: أقر ميثم البحراني أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم ساروا جميعًا على ذات النهج في أموال النبي صلى الله عليه وسلم (فدك وغيرها)؛ حيث كان صلى الله عليه وسلم يأخذ منها نفقة أهله ويجعل الباقي في مصالح المسلمين.
يقول البحراني: «إن أبا بكر كان يطبق ما وعد به فاطمة.. فكان عمر كذلك، ثم كان عثمان كذلك، ثم كان عليٌّ كذلك» [شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني، 5/107].
ثالثًا: سياق المشاكلة والمماثلة في الألفاظ
عمر رضي الله عنه استخدم هذه الألفاظ مع علي والعباس؛ لأنهما اختصما في إدارة الصدقة التي فوضها عمر إليهما.
وكأنه يقول لهما: إن العباس وصف عليًّا بـ "الكاذب الآثم" (كما في أول الرواية) لاختلافهما في الإدارة، فكذلك رؤيتكما لي ولأبي بكر هي من هذا الباب؛ أي اختلاف في وجهات النظر والاجتهاد، لا قدحًا في الدين والأمانة. [صحيح البخاري، 4/79، رقم 2926].
رابعًا: عقيدة علي العمليّة تُبرئ الشيخين
أكبر دليل على أن عليًّا لم يكن يرى أبا بكر وعمر (خائنين أو غادرين) هو فعله حين تولى الخلافة؛ إذ لم يغير نظام "فدك" ولم يرجعها لورثة فاطمة، بل سار فيها بسيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
اعتراف المازندراني: قال في شرح الكافي: «دل على أنه عليه السلام لم يرد فدكًا في خلافته؛ لإفضائه إلى الفساد والتفرقة» [شرح أصول الكافي، المازندراني، 11/398].
رواية علل الشرائع: سُئل أبو الحسن: لِمَ لَمْ يسترجع علي فدكًا؟ فقال: «لأنا أهل بيت لا نأخذ حقوقنا ممن ظلمنا إلا هو (الله)..، ولا نأخذ لأنفسنا» [علل الشرائع، الصدوق، 1/155].
النتيجة: لو كانت فدك حقًا مغصوبًا لوجب على علي ردها شرعًا؛ فتركه للرد دليل على أن فعل الصديق والفاروق كان هو الحق الذي لا يجوز غيره.
خامسًا: التحاكم لعمر ينفي صفة "الطاغوت"
لو كان علي رضي الله عنه يعتقد أن عمر "غادر خائن"، لما جاز له شرعًا (بمنطق الشيعة) أن يتحاكم إليه.
يروي الكليني في رواية موثقة عند المجلسي: «من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنما يأخذ سحتًا.. وقد أمر الله أن يكفر به» [الكافي، 7/412]؛ [مرآة العقول، 24/275].
مجيء علي والعباس للتحاكم عند عمر دليل قاطع على أنهما يريانه إمامًا عادلًا شرعيًّا، وليس طاغوتًا كما يزعم المفترون.
سادسًا: خروج الكلام مخرج الاستفهام الإنكاري
ثمة قرائن قوية تدل على أنَّ كلام عمر رضي الله عنه لم يكن إقرارًا، بل كان استفهامًا إنكاريًا؛ وهو أسلوب معروف في القرآن ولغة العرب يُقصد به توبيخ المخاطب على ظنٍ خاطئ.
النظير القرآني: قال تعالى: {أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34]؛ والمعنى: "أفهم يخلدون بعدك؟" أي أنهم لن يخلدوا. [تفسير مجمع البيان، الطبرسي، 7/84].
التقدير في كلام عمر: «أفرأيتماه كاذبًا..؟»، «أفرأيتماني كاذبًا..؟»؛ والقرينة على ذلك هي مناشدته لعلي والعباس وبقية الصحابة رضي الله عنهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركنا صدقة»، فكلهم صدّقه وقالوا: "نعم"؛ فكيف يراه "كاذبًا" مَن يُصدقه في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
يقول ابن حجر الهيتمي: «أثبتَ عمر أنه غير إرث.. فأخذاه على ذلك، وبين لهما أن ما فعله أبو بكر فيه، كان فيه صادقًا، بارًا، راشدًا، تابعًا للحق، فصدقاه على ذلك» [الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي، 1/9].
سابعًا: أسلوب "المشاكلة" اللغوية
إنَّ استخدام عمر لهذه الألفاظ جاء على سبيل المشاكلة؛ وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، كما في قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم} [التوبة: 67]؛ ومعلوم أن الله لا ينسى.
فعمر لما سمع العباس يصف عليًّا بـ "الكاذب الآثم" في أول الرواية، استعمل ذات الألفاظ ليُبين لهما بشاعة هذا الظن لو وقع في حق ولاة الأمر.
ثامنًا: خطاب العباس لعمر بـ "أمير المؤمنين"
خاطب العباس عمر رضي الله عنهما بقوله: «يا أمير المؤمنين»؛ وهذا بحد ذاته ينقض الشبهة؛ إذ لا يجوز في العقل ولا في الشرع أن يكون "أمير المؤمنين" كاذبًا، آثمًا، غادرًا، خائنًا؛ فلو اعتقد العباس فيه ذلك لما ناداه بهذا اللقب الشريف. [صحيح مسلم، 3/1377].
تاسعًا: ثبوت المحبة والثناء المتأخر
إذا سلمنا جدلًا بوجود جفوة في وقتٍ ما، فإنَّ الأسانيد الصحيحة أثبتت رجوع علي رضي الله عنه للثناء العطر على الشيخين، والمتأخر يقضي على المتقدم.
شهادة علي لأبي بكر وعمر: سأل محمد بن الحنفية أباه عليًّا: "أي الناس خير بعد رسول الله؟" قال: «أبو بكر، ثم عمر» [صحيح البخاري، 5/7].
تمني علي لقاء الله بعمل عمر: قال علي رضي الله عنه عند جنازة عمر رضي الله عنهما: «ما خلّفت أحدًا أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك» [صحيح البخاري، 5/11].
المصاهرة: زوّج علي بن أبي طالب ابنته (أم كلثوم) لعمر بن الخطاب؛ فهل يُزوج "بنت رسول الله" لرجل يراه "غادرًا خائنًا"؟! [صحيح البخاري، 4/1494].
عاشرًا: مراعاة حالة الغضب
قد تصدر من الإنسان في حالة الخصومة والغضب كلمات لا يقره عليها حال الرضا؛ والغضب يحجب كمال الإدراك، وقد ورد في كتب الشيعة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» [ميزان الحكمة، محمد الريشهري، 3/2590].
فما نُقل في لحظة نزاع حول "فدك" لا يُبنى عليه عقيدة في أشخاص الصحابة.
حادي عشر: إلزام الشيعة بما في كتبهم من طعون
إذا كان الشيعة يأخذون بظواهر الألفاظ للطعن، فماذا يقولون في الآتي:
لعن النبي صلى الله عليه وسلم للأصبغ بن نباتة: وهو من أخص أصحاب علي؛ ورد في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ولأصحابه: «عليكم لعنة الله ولعنتي» [العوالم، 50].
تكفير الحسن لعبد الله بن علي: قال له: «لعنك الله من كافر»؛ وعجز مراجعهم كالمجلسي عن توجيهه [بحار الأنوار، المجلسي، 13/307].
اتهام محمد بن الحنفية بالزنا: روى الكليني رواية مفادها أن ابن الحنفية انصرف حين أمر علي مَن عليه حدٌ ألا يقيم الحد على الزانية؛ مما أوهم وقوعه في المعصية [الكافي، 14/47].
فهل يقبل الشيعة هذه الطعون على ظاهرها؟ أم سيتأولونها؟ إن تأولوها لزمهم تأويل كلام عمر من باب أولى.
الخلاصة:
إقرار عملي: سيرة علي رضي الله عنه في خلافته كانت امتدادًا لسيرة أبي بكر وعمر في أموال النبي صلى الله عليه وسلم، مما يسقط تهمة الظلم والغدر عنهما.
أسلوب بلاغي: عبارات عمر كانت من باب "المشاكلة" وإلزام الخصم بما قد يسبق إلى ذهنه، ولم تكن حكاية لواقع نطق به علي رضي الله عنه.
شهادة الخصم: اعتراف مراجع الشيعة (كابن ميثم والبحراني) بأن أبا بكر وعمر طفقا يعملان بما كان يعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أعظم صك براءة لهما من تهم الكذب والخيانة.
تهافت التناقض: الشيعة يصفون عليًّا بأنه "لا يقدر على التغيير" تارة، وتارة بأنه "لا يأخذ حقه ممن ظلمه"؛ وكلها تبريرات واهية لتغطية حقيقة أن عليًّا كان راضيًا بسيرة الشيخين.
وحدة الصف: تحاكم علي والعباس لعمر رضي الله عنهم أجمعين ينسف أسطورة العداء المزعومة، ويؤكد الثقة بمقامه العدلي والشرعي.
الاستفهام الإنكاري: الأوصاف الغليظة وردت في سياق الاستفهام التوبيخي والإنكاري، وليست إخبارًا عن حقيقة يعتقدها علي رضي الله عنه.
الشهادة العملية: قيام علي بالتحاكم إلى عمر رضي الله عنهما، وثناءه عليه بعد موته، وتزويجه ابنته؛ كلها "أفعال" تُكذب "الظنون" التي حاول مراجع الشيعة استنباطها من النص.
التناقض المنهجي: يعتمد مراجع الشيعة على "صحيح مسلم" لإثبات الشبهة، ثم يرفضون مئات الأحاديث في ذات الكتاب التي تُثبت فضائل الشيخين؛ وهذا انتقاءٌ مصلحي لا علمي.
البراءة من كتبهم: أثبتنا أنَّ مراجع الشيعة (كالبحراني والمازندراني) أقروا بأنَّ أبا بكر وعمر عملا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في فدك؛ والعمل بالسنة ينفي الكذب والخيانتة يقينًا.
وحدة الموقف: اختلاف الصحابة في إدارة "صدقة" لا يعني اختلافهم في "الدين" أو "الأمانة"؛ بل هو اختلاف اجتهادي يقع بين الأفاضل.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه كان يقتل القمل في الصلاة
كلمة جامعة: يقول الإمام النووي: «هذا من باب المبالغة في العتاب، ومعناه: أنَّ فعلي وفعل أبي بكر عندكم قد يُصور بصورة الكذب والظلم إن لم تنظروا للحكمة الشرعية، والله يعلم أننا صادقون بارون..، وهذا الذي قاله عمر إنما قاله من جهة ما كان يظهر له من حالهما (علي والعباس) بطلبهما ومنازعتهما، لا أنهما قالا ذلك حقيقة» [شرح صحيح مسلم، النووي، 12/72] بتصرف.
لتحميل الملف pdf