أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

افتراؤهم على الفاروق رضي الله عنه بدعوى إدخال اليهود إلى فلسطين ومخالفة شروط النصارى

تأتي هذه الشبهة في سياق محاولات "نجاح الطائي" وغيره من طاعني الشيعة لتشويه الانتصارات التاريخية التي حققها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ حيث يزعمون -خلافًا لكل الحقائق التاريخية- أنَّه كان يمالئ اليهود ويخالف العهود، متجاهلين أنَّ عمر هو مَن طهر جزيرة العرب من دنسهم امتثالًا للوصية النبوية.

فيزعم الطائي أنَّ الفاروق رضي الله عنه خالف شرطه مع نصارى القدس وأدخل اليهود إلى فلسطين رغبةً من كعب الأحبار، وادعى أنَّ عمر اختلق حديثًا نبويًّا يأمر بإخراج اليهود إلى الشام ليتخلص من معارضة الصحابة. [ليالٍ يهودية، نجاح الطائي، ص 44].

الرد التفصيلي على الشبهة:

إنَّ هذا الادعاء يمثل ذروة الكذب الصراح؛ فعمر بن الخطاب رضي الله عنه عُرف بشدته في الحق وعداوته لكل ما يخالف الكتاب والسُّنَّة، وإليك تفنيد فرواهم:

أولًا: موقف عمر الحازم من اليهود والنصارى

لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشد الناس امتثالًا لقول الله تعالى:} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51]؛ ومواقفه في إبعادهم عن مفاصل الدولة مشهورة.

•          روى البيهقي أنَّ أبا موسى الأشعري كان له كاتبٌ نصراني، فأنكر عليه عمر ذلك بشدة وضرب فخذه وقال له: «أخرجه.. لا تدنهم إذْ أقصاهم الله، ولا تأمنهم إذ خوَّنهم الله". [السنن الكبرى للبيهقي، 10/216].

•          وهو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا». [صحيح مسلم، رقم 1767].

ثانيًا: بطلان رواية شرط "عدم مساكنة اليهود"

يزعم الطاعن أنَّ عمر خالف شرطه مع نصارى القدس (إيلياء) بعدم مساكنة اليهود لهم؛ والحقيقةُ أنَّ هذا النصَّ المذكور في تاريخ الطبري لا يصحُّ إسنادًا ولا متنًا.

•          من حيث الإسناد: الرواية فيها "يحيى بن عقبة بن العيزار"، وقد قال فيه ابن معين: «كذاب خبيث عدو الله»، وقال البخاري: «منكر الحديث". [ميزان الاعتدال، الذهبي، 4/397].

•          من حيث المتن: هذا الشرط ينافي الواقع؛ فالقدس أصلًا كانت خالية من اليهود تحت حكم الروم، والعهود العمرية في المدن الأخرى كانت تتسم بالبساطة لا بالتفاصيل السياسية المتأخرة. أما أصل "العهدة العمرية" فهي صحيحة وتلقاها الأئمة بالقبول دون هذا النص المنكر. [أحكام أهل الذمة، ابن القيم، 3/1164].

ثالثًا: الوصية النبوية بإخراج اليهود

ادعاء أنَّ عمر "اختلق" حديث إخراج اليهود هو طعنٌ في السُّنَّة المتواترة؛ فهذا الأمر جاء عن عدد من الصحابة غير عمر، كأبي عبيدة رضي الله عنه:

•          فقد روى أحمد بسند صحيح عن أبي عبيدة قال: آخر ما تكلَّم به النَّبي صلى الله عليه وسلم: «أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الحِجَازِ وأهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ». [مسند أحمد، 3/221].

•          فأين "الاختلاق" والحديثُ ثابتٌ من طرقٍ شتى؟!

رابعًا: حقيقة إجلاء اليهود إلى الشام

لم يسجل التاريخ أنَّ عمر رضي الله عنه أجلى اليهود "إلى فلسطين" بالخصوص، بل أجلاهم من الحجاز إلى أطراف الشام (كأذرعات) والكوفة؛ وهذا هو حكم الإسلام فيهم؛ لأنَّ المنع النبوي كان خاصًا بجزيرة العرب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته أن تخرج اليهود والنّصارى من جزيرة العرب -وهي الحجاز- فأخرجهم عمر.. ولم يخرجهم مِنَ الشَّام، بل لَمَّا فتح الشام أقرَّ اليهود والنصارى بالأردنِّ وفلسطين وغيرهما». [مجموع الفتاوى، 28/360-361].

فإقرارهم في بلادٍ فُتحت وهم فيها أصلًا ليس "إدخالًا" لهم، بل هو إبقاءٌ على عهود الذمة في غير الحجاز.

خامسًا: تناقض الشيعة

بينما يتهمون الفاروق بممالأة اليهود، نجد أنَّ الواقع التاريخي والعقدي للشيعة يثبت عكس ذلك:

1.         الوزراء اليهود: في الدولة الفاطمية الرافضية، كان الوزراء أحيانًا من اليهود والنصارى، وفي عهدهم قَوِيَت شوكتهم. [مجموع الفتاوى، 28/637].

2.         مهديهم واللغة العبرانية: روى النعماني في الغيبة أنَّ مهديهم إذا قام «دعا الله باسمه العبرانيِّ». [الغيبة، النعماني، ص 313].

3.         أنصار مهديهم من اليهود: روى المفيد في الإرشاد أنَّ القائم يخرج معه «خمسة عشر من قوم موسى الذين كانوا يهدون بالحق". [الإرشاد، المفيد، 2/386].

4.         الحكم بحكم آل داود: روى الكليني أنَّ مهديهم «يحكم بحكم داود وسليمان لا يسأل بينة». [الكافي، الكليني، 1/397].

أما كعب الأحبار، فهو تابعيٌ جليل حسنُ الإسلام، حتى أنَّ ابن طاووس (من علمائهم) ذكر أنَّ كعبًا كان من "خواص علي بن أبي طالب". [التشريف بالمنن، ص 80]. فكيف يعيبون على عمر ما يثبتونه لإمامهم؟!

الخلاصة:

* كذب دعوى الإدخال: لم يثبت تاريخيًّا أن عمر رضي الله عنه هو من أدخل اليهود إلى فلسطين، بل الثابت أنه أجلاهم من الحجاز (جزيرة العرب) امتثالًا للوصية النبوية، ومن ذهب منهم إلى الشام إنما استقر في أطرافها كأهل ذمة، وهو حكم الإسلام في غير الحجاز.

* بطلان نص "عدم المساكنة": الرواية التي ذكرت شرط "ألا يساكنهم فيها يهودي" هي رواية ساقطة إسنادًا؛ فمدارها على كذابين (مثل يحيى بن عقبة)، وهي تخالف العهود العمرية الثابتة التي اتسمت بالبساطة وعدم التدخل في التركيبة السكانية للشام آنذاك.

* شدة الفاروق مع أهل الكتاب: التاريخ يشهد بشدة عمر في منع استمالة أهل الكتاب أو تمكينهم من مفاصل الدولة، وموقفه مع أبي موسى الأشعري بضرب فخذه ونهيه عن اتخاذ كاتب نصراني دليل قاطع على بُعده عن مداهنتهم.

* التناقض الصارخ: رمت الشيعةُ الفاروقَ بدائها؛ فبينما يتهمونه بممالأة اليهود، نجد في كتبهم أن مهديهم المنتظر يحكم بـ "حكم آل داود"، ويتكلم العبرانية، ويستعين بـ "قوم موسى" كحكام بين يديه!

اقرأ أيضا| افتراؤهم على الفاروق رضي الله عنه بدعوى حرق الأحاديث ومنع تدوين السُّنَّة

* كعب الأحبار والازدواجية: يطعن الطاعنون في كعب الأحبار لمجرد مجالسته لعمر، بينما تُثبت مصادرهم (مثل ابن طاووس) أنه كان من خواص علي بن أبي طالب رضي الله عنه.


لتحميل الملف pdf

تعليقات