تعد هذه الشبهة من الركائز التي يعتمد عليها طاعنو الشيعة في محاولة إثبات وجود صراعٍ بين الصحابة وبين السُّنَّة النبوية؛ حيث يصورون أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصورة المحارب للوحي الذي أحرق الكتب ومنع الناس من الرواية. والواقعُ أنَّ هذه الادعاءات بنيت على أخبارٍ واهيةٍ منقطعة، وتجاهلت المنهج العلمي الذي سار عليه الفاروق في حفظ بيضة الإسلام وصيانة القرآن الكريم.
فيزعم علماءُهم أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه استحدث بدعة منع تدوين السُّنَّة النبوية؛ مما أدى إلى ضياع الكثير منها.
• يقول مرتضى العسكري: «منعت مدرسة الخلفاء من تدوين حديث الرسول إلى رأس المائة من هجرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، وليتهم اكتفوا بذلك، بل منعوا من رواية حديثه كذلك". [معالم المدرستين، مرتضى العسكري، 2/46].
• ويقول شرف الدين الموسوي: «والأخبار متواترة في منعه الناس عن تدوين العلم، وردعه إياهم عن جمع السنن والآثار.. وحبس أعلامهم في المدينة الطيبة لكيلا يذيعوا الأحاديث في الآفاق". [النص والاجتهاد، شرف الدين الموسوي، 1/142].
• وادعى علي الأحمدي الميانجي أنَّ عمر رضي الله عنه تجاوز المنع إلى حرق الأحاديث المكتوبة بالنار. [مكاتيب الرسول، الميانجي، 1/518].
الرد التفصيلي على الشبهة:
إنَّ تفنيد هذه الشبهة يتطلب فحص الروايات التي استدلوا بها من كتب السُّنَّة أولًا، ثم كشف التناقض في تراثهم ثانيًا؛ وإليك التفصيل:
أولًا: تهافت الروايات المستدل بها من كتب السُّنَّة
اعتمد الطاعنون على عدة روايات، وكلها لا تصح من الناحية المنهجية:
1. رواية حرق الكتب: احتجوا بما رواه الخطيب البغدادي وابن سعد أنَّ عمر طلب من الناس الإتيان بكتبهم فأحرقها وقال: «أمنيةٌ كأمنية أهل الكتاب". [تقييد العلم، الخطيب البغدادي، ص 52].
• الرد: هذه الرواية ضعيفة جدًّا بسبب الانقطاع؛ فراويها "القاسم بن محمد" ولد في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أي بعد وفاة عمر ببضع عشرة سنة؛ فكيف يروي حادثةً لم يحضرها؟ قال المعلمي اليماني: «وهذا منقطع أيضًا.. هذا باطل قطعًا». [الأنوار الكاشفة، المعلمي اليماني، ص 51].
2. رواية الاستخارة وترك الكتابة: روى عبد الرزاق أنَّ عمر أراد كتابة السنن ثم استخار الله شهرًا فعدل عن ذلك خشية أن يترك الناس كتاب الله. [المصنف، عبد الرزاق الصنعاني، 11/257].
• الرد: الرواية منقطعة؛ لأنَّ عروة بن الزبير لم يلحق عمر بن الخطاب. [فوائد الحنائي، 1/579].
ولو سلمنا بصحتها، لكانت حجةً لعمر رضي الله عنه؛ إذ استشار الصحابة وأقروه، مما يدل على أنَّ المنع لم يكن عن هوى، بل لمصلحة شرعية راجحة وهي صيانة القرآن من الهجر.
3. رواية "كنا نخاف السياط": استدلوا بما أخرجه ابن عساكر عن أبي هريرة أنَّه لم يكن يستطيع التحديث زمن عمر خوفًا من السياط. [تاريخ دمشق، ابن عساكر، 67/344].
• الرد: إسنادها ضعيف؛ لضعف "يزيد بن يوسف" وشيخه "صالح بن أبي الأخضر". [سير أعلام النبلاء، الذهبي، 2/603].
كما أنَّ الثابت عن أبي هريرة أنَّ عمر أذن له بالتحديث بعد أن اختبر حفظه.
ثانيًا: اعترافُ أحدِ باحثيهم ببطلان هذه الدعوى
من شواهد الحق أنَّ بعض باحثي الشيعة المعاصرين أنصفوا الفاروق وأقروا بوهن هذا الزعم. يقول حيدر حب الله: «وتوصّلت إلى أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لم يكن مؤمنًا بإسقاط حجيّة سنّة النبي بالمطلق.. كيف والشواهد لا تعدّ ولا تحصى على روايته الحديث، وعلى أخذه الحديث من الصحابة ضمن شروط؟!". [إضاءات في الفكر والدين والاجتماع، حيدر حب الله، 1/174].
ثالثًا: حقيقة موقف عمر.. الإقلال لا الإلغاء
إنَّ الثابت عن عمر رضي الله عنه هو الأمر بالإقلال من التحديث وليس النهي المطلق؛ وذلك للتثبت وعدم الخطأ في النقل، ولحماية جناب القرآن في فترة التأسيس.
قال الذهبي: «هكذا هو كان عمر رضي الله عنه يقول: أقلّوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزجر غير واحدٍ من الصَّحابة عن بثّ الحديث، وهذا مذهبٌ لعمر ولغيره». [سير أعلام النبلاء، الذهبي، 2/601].
رابعًا: زرارة بن أعين وحرق الأحاديث
بينما يتباكى الشيعة على "حرقٍ موهوم" نُسب لعمر بأسانيد منقطعة، نجد في كتبهم الصحيحة أنَّ كبير رواتهم "زرارة بن أعين" هو مَن همَّ بحرق أحاديث أهل البيت فعليًّا لمجرد أنه لم يستوعبها!
روى عالمهم الصفار عن زرارة قال: «دخلت على أبي جعفرٍ عليه السلام فسألني ما عندك من أحاديث الشِّيعة؟ قلت: إنّ عندي منها شيئًا كثيرًا، قد هممت أن أوقد لها نارًا ثمَّ أحرقها». [بصائر الدرجات، الصفار، ص 236].
وعلق عالمهم المجلسي مبررًا فعل زرارة بأنه لم يحتمل عقله تلك الفضائل. [بحار الأنوار، المجلسي، 25/283].
الخلاصة:
يخلصُ البحثُ إلى أنَّ دعوى حرق عمر بن الخطاب رضي الله عنه للأحاديث ومنع تدوينها هي فريةٌ تاريخيةٌ لا تصمد أمام النقد العلمي؛ لعدة أسباب:
1. ضعف الأسانيد: أنَّ كل الروايات التي استدل بها الطاعنون منقطعة الإسناد ولا تثبت تاريخيًّا.
2. ثبوت الرواية عن عمر: أنَّ الفاروق نفسه روى مئات الأحاديث، وكان يستفتي الصحابة بطلب السُّنَّة منهم، مما ينقض دعوى المنع المطلق.
3. سلامة المنهج: أنَّ سياسة "الإقلال" كانت منهجًا تربويًّا لحفظ القرآن الكريم في نفوس الناس، ولم تكن إقصاءً للسُّنَّة.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه قال: القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف
4. التناقضُ الواقعي: أنَّ الشيعة الذين يطعنون في عمر يقدسون رواتهم (مثل زرارة) الذين هموا بحرق أحاديثهم فعليًّا، مما يثبت أنَّ الطعن في عمر ليس دفاعًا عن العلم، بل هو موقفٌ عقديٌّ مسبق.
لتحميل الملف pdf