يحاول الطاعنون النيل من المكانة العلمية لأمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه؛ بادعاء جهله بسنة نبوية مشهورة كقراءة صلاة العيد، متجاهلين المقاصد التشريعية والتربوية وراء سؤاله للصحابة، وضاربين عرض الحائط بالشهادات النبوية والآثار التاريخية التي أثبتت رسوخ قدمه في العلم.
فيزعم عالمهم ابن طاووس أنَّ سؤال عمر رضي الله عنه عما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد هو من "عجائب الأشياء"؛ ويعده دليلًا على جهله وغفلته للأمور المشهورة من الشريعة. [الطرائف، ابن طاووس، ص 475].
واستندا في ذلك إلى ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه سأل أبا واقدٍ اللّيثيّ: ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر؟ فقال: «كان يقرأ فيهما بـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)، و(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)». [صحيح مسلم، 2/607، برقم 891].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الرسوخ العلمي لعمر رضي الله عنه بشهادة الوحي
إنَّ اتهام عمر رضي الله عنه بالجهل يصطدم بصريح النصوص الصحيحة التي رفعت مكانته العلمية إلى أعلى الرتب؛ مما يجعل من العبث الفكري التمسك بـ "احتمال الجهل" في مقابل "يقين العلم" الثابت نبويًّا.
1. الرؤيا النبوية وتأويل العلم: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم، أتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطَّاب»، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم». [صحيح البخاري، 1/27، برقم 82].
2. العلم بالسياسة الشرعية: يوضح ابن حجر العسقلاني معنى هذا العلم بقوله: «والمراد بالعلم هنا: العلم بسياسة النَّاس بكتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختصّ عمر بذلك..، فساس عمر فيها النَّاس بحيث لم يخالفه أحدٌ». [فتح الباري 7/46].
3. شهادة ابن مسعود الأثرية: روى الطبراني عن شقيقٍ قال: قال عبد الله بن مسعود: «والله إنّي لأحسب علم عمر لو وضع في كفّة الميزان، ووضع سائر أحياء أهل الأرض في كفّة الميزان لرجح عليه علم عمر رضي الله عنه». وزاد في رواية أخرى: «إنِّي لأظنُّ عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم». [المعجم الكبير، الطبراني، 9/162، برقم 8808].
4. فكيف يستقيم في ميزان العقل أن يوصف بالجهل "لأمور مشهورة" مَن ذهب بتسعة أعشار العلم بشهادة كبار الصحابة، ومَن شرب "فضل علم" النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا الحق؟
ثانيًا: التوجيه المقاصدي لسؤال عمر رضي الله عنه (قاعدة الاحتمال)
إنَّ مقتضى البحث الأكاديمي يوجب حمل فعل عمر رضي الله عنه على المحامل التي تليق بمكانته وملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ إنَّ السؤال في لسان الفقهاء يتردد بين مقاصد عدة تسقط استدلال الخصم، إعمالًا للقاعدة الأصولية: «في الوقائع الفعليَّة وهي وقائع الأحوال إذا تطرّق إليها الاحتمال، كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال». [حاشيتا قليوبي وعميرة، 3/259].
1. سؤال الاختبار والامتحان: يحتمل أن يكون عمر رضي الله عنه سأل أبا واقد الليثي اختبارًا له؛ فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو واقد شاب (نحو 17 سنة)، بينما كان عمر رضي الله عنه يتجاوز الخمسين؛ فكان سؤاله من باب تثبيت العلم لدى الناشئة. [ذخيرة العقبى، 17/182].
2. سؤال التعليم لغيره: قد يسأل الإمام عن الشيء وهو يعرفه ليسمعه الحاضرون فتثبت السنة في أذهانهم، وأصله سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم أمام الصحابة. يقول الشيخ الخضير: «أراد أن يعلم الحاضرين؛ لأن الإنسان قد يسأل عن شيء وهو يعرفه؛ لتعليم الحاضرين». [شرح الموطأ، عبد الكريم الخضير، 30/17].
3. سؤال الاستشهاد وفض النزاع: يحتمل أن يكون عمر رضي الله عنه قد نازعه غيره في السورة المقروءة؛ فأراد الاستشهاد بكلام أبي واقد لتقوية مذهبه وفض الخلاف بمشهد من الناس. [مرقاة المفاتيح 3/148].
4. سؤال الاستثبات من الشك: لو تنزلنا وقلنا إنه شك؛ فالشك يعرض للبشر في التفاصيل الدقيقة، وطلب اليقين فيها منقبة لا مثلبة. يقول النووي: «ويبعد أنَّ عمر لم يعلم ذلك مع شهود صلاة العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّاتٍ، وقربه منه». [شرح النووي على مسلم، 2/182].
5. فكيف يُجزم بالجهل مع وجود كل هذه الاحتمالات التي تتوافق مع هيبة الفاروق وحرصه على ضبط السنة؟ إنَّ حصر السؤال في "الجهل" فحسب هو قصور في الفهم وتحامل على التاريخ.
ثالثًا: الإفحام بوقوع النسيان والسهو من "المعصومين" عند الشيعة
بينما يشنع القوم على عمر رضي الله عنه سؤالًا استيثاقيًّا؛ نجد أنَّهم يقرون بوقوع النسيان والسهو والجهل ببعض الأحكام حتى ممن يدعون لهم العصمة المطلقة؛ مما يجعل طعنهم في عمر رضي الله عنه تناقضًا صارخًا.
1. نسيان الحسن للحجة القائمة: روى الكليني بسند وصفه عالمهم المجلسي بـ "الصحيح" أنَّ الحسن قال: «وما عليهما حجة غيري وغير الحسين أخي»؛ مع أنَّ علي بن الحسين (زين العابدين) كان حيًّا وهو إمام منصب عندهم! [الكافي، 1/462؛ مرآة العقول، 5/357].
فهل كان الحسن يجهل "أصول الإمامة" التي هي مدار النجاة عندهم؟
2. سهو النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة: روى عالمهم المجلسي بسند وصفه بـ "الموثق" عن الصادق أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس الظهر ركعتين ثم سها، حتى قال له ذو الشمالين: «يا رسول الله، أنزل في الصَّلاة شيءٌ؟!». [ملاذ الأخيار، 4/549].
3. نسيان الرواة والأئمة للأحاديث: يعترف عالمهم حسين العاملي أنَّ الأكابر ينسون أحاديثهم؛ فيقولون: «حدثني فلان عني أني حدثته بكذا». [وصول الأخيار، ص 191]. وروى الكليني أنَّ الرضا نسي كلمة بعد أن قالها. [الكافي، 15/690].
4. فكيف تبيحون "النسيان" لمن تصفونه بالعصمة في أركان الصلاة وأصول الإمامة، ثم تضيقون ذرعًا بعمر رضي الله عنه وهو يستثبت من سنة قراءة العيد؟! إنَّ هذا هو الكيل بمكيالين والجور في الحكم.
الخلاصة:
1. ثبوت العلم نبويًّا: إنَّ وصف عمر رضي الله عنه بالجهل باطل شرعًا؛ لشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالعلم في الرؤيا التي هي وحي.
2. المقاصد التعليمية: سؤال عمر رضي الله عنه لأبي واقد الليثي يندرج تحت باب "سؤال العالم لتعليم الجاهل" أو "الاختبار" أو "الاستشهاد"، ولا يحمل على الجهل بالضرورة؛ لقرب عمر رضي الله عنه الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم وملازمته لصلوات العيد معه طيلة سنوات.
3. التناقض الفاضح: يستقبح الطاعنون سؤال عمر رضي الله عنه، بينما تطفح كتبهم بروايات "موثقة" تنسب السهو والنسيان والذهول عن الحجة لمن يدعون عصمتهم.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه عطل سهم المؤلفة قلوبهم
4. الطعن في عمر رضي الله عنه في هذه المسألة لا يعدو كونه جهلًا بقواعد اللغة، وإغفالًا للمقاصد التربوية في التعامل مع السنة، ومحاولة بائسة للنيل من جبل العلم الذي أثنى عليه القاصي والداني.
لتحميل الملف pdf