يحاول الطاعنون التشنيع على أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بادعاء انفراده بقراءة تخالف إجماع المسلمين في سورة الفاتحة، ويزعم "علي الكوراني" أن عمر فعل ذلك "استذواقًا" من عند نفسه.
والحقيقة أن هذه القراءة ثابتة وموجهة علميًّا، بل والمفاجأة القاصمة هي أنها مروية في أوثق كتب الشيعة عن أهل البيت، بل وصححها علماؤهم وطعنوا في "فصاحة المصحف الحالي" من أجلها!
فيزعم علي الكوراني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خالف المسلمين في قراءة الفاتحة هوىً منه، حيث قال: «آية عمر: (صراط مَنْ أنعمت عليهم.. وغير الضالين)، نسبوها إلى أبيّ!..، وإذا سألت: لماذا كان عمر يقرأ هكذا، ويخالف المسلمين كلهم؟! فلا تجد جوابًا إلا أنه استذوق ذلك، أو رآه في نصٍ ما، فأصر عليه وقرأ به في الصلاة، وأراد أن يفرضه على المسلمين ولكنهم لم يقبلوه!». [ألف سؤال وإشكال، علي الكوراني، ص 427]،
وانظر: تفسير الصافي للفيض الكاشاني (1/72)، تفسير نور الثقلين لعبد علي العروسي الحويزي (1/24)، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة للميرزا حبيب الله الخوئي (2/216)، البيان في تفسير القرآن لأبي القاسم الخوئي (ص162).
الرد التفصيلي على الشبهة :
أولًا: التوجيه العلمي للقراءة عند أهل السُّنة
حمل علماء الإسلام ما ورد عن عمر رضي الله عنه على أصول علمية، وليست أهواءً:
1. الأحرف السبعة: أنها وجه من الأوجه التي نزل بها الوحي، كما قال مكي بن أبي طالب: «وقد قال إسماعيل القاضي في «كتاب القراءات» له: أن عمر بن الخطَّاب قرأ: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) قال: وهذا -والله أعلم- علم ما جاء: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف». [الإبانة عن معاني القراءات، ص 54].
2. باب التفسير: أنها صدرت عن عمر وأبيّ بن كعب رضي الله عنهما على وجه التفسير والبيان للمعنى. قال ابن كثير: «وهذا الإسناد صحيح، وكذلك حكي عن أبيّ بن كعبٍ أنَّه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التَّفسير». [تفسير ابن كثير، 1/55].
ثانيًا: نسبة القراءة لأهل البيت في كتب الشيعة
إن كان الكوراني ومَن علَى شاكلته يرون هذه القراءة "استذواقًا" ومخالفة للمسلمين، فماذا يقولون في كبار علماء طائفتهم الذين نسبوا هذه القراءة ذاتها لأهل البيت؟!
• ورد في "تفسير القمي": روى علي بن إبراهيم القمي: «وحدثني أبي، عن حماد، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه قرأ: (اهدنا الصراط المستقيم. صراط مَنْ أنعمت عليهم وغير المغضوب عليهم ولا الضالين)، قال: المغضوب عليهم: النُّصاب، والضالين: اليهود والنصارى. وعنه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قوله: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين)». [تفسير القمي، 1/29].
• شهادة الطوسي: يقول الطوسي صراحة بموافقة أهل البيت لعمر في هذه القراءة: «وقرأ: (صراط مَنْ أنعمت عليهم) عمر بن الخطَّاب، وعبد الله بن زبير، وروي ذلك عن أهل البيت عليهم السلام». [التبيان في تفسير القرآن، 1/43].
• شهادة الطبرسي في "مجمع البيان": يقول المفسر الطبرسي: «وقرأ: (صراط مَنْ أنعمت عليهم) عمر بن الخطَّاب، وعمرو بن عبد الله الزبيري، وروي ذلك عن أهل البيت عليهم السلام..، وقرأ: (غير الضالين) عمر بن الخطَّاب، وروي ذلك عن علي عليه السلام». [مجمع البيان في تفسير القرآن، 1/67].
• شهادة الملا صدرا الشيرازي: يقول في تفسيره: «وقرأ عمر بن الخطَّاب، وعمرو بن الزبير: (صراط مَنْ أنعمت عليهم)، وهو المروي عن أهل بيت النبيّ عليه وعليهم السلام». [تفسير القرآن الكريم، 1/124].
ثالثًا: الطعن في "فصاحة القرآن الحالي" لإثبات قراءة عمر رضي الله عنه!
وصل الغلو بهم إلى حد الطعن في سلامة سورة الفاتحة التي يقرأها المسلمون اليوم لغويًّا، ليزعموا أن قراءة عمر رضي الله عنه هي "الأصل" الذي حذفه المنافقون!
• تصريح محمد رضا الطهراني الصادم في كتابه "حل المسائل المشكلة": يقول الطهراني: «فليعلم المتعلمون من مواضع العلم، أئمة التعليم عليهم السلام أن في الفاتحة إشكالين: أحدهما في: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، فحاصل الإشكالين في الفاتحة على ما في المصاحف وما يقرأ الناس، أنَّ المعرفة وهي: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وصفت بالنكرة، وهو (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) في الوصف الأول، و(وَلَا الضَّالِّينَ) المعطوف على المغضوب عليهم..، وهو خلاف العربية في القرآن الذي لم يؤت ولا يؤتى بمثله في العربية».
• ثم يكمل قائلًا: «وأما حل هاتين المعضلتين والتفصي عنهما، فإنما هو ما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين أصلًا لتفريع أجوبة هذين الإشكالين..، والعبارتان النازلتان في الفاتحة إنما هما: (من أنعمت عليهم وغير الضالين) كما في اثني عشر خبرًا من الثقات والأثبات أسلافًا وأخلافًا». [حل المسائل المشكلة، ص 331-338].
الخلاصة:
1. وحدة المصدر: قراءة عمر رضي الله عنه (مَنْ أنعمت عليهم) هي ذاتها قراءة أهل البيت الموثقة في (تفسير القمي، التبيان، مجمع البيان، وتفسير الملا صدرا)، فالطعن فيها طعن في الجميع.
2. براءة الفاروق: ثبت يقينًا أن قراءة عمر رضي الله عنه ليست "هوىً" بل هي "حرف" قرآني أو "تفسير" روي عن أهل البيت أنفسهم، والقول بالاستذواق جهلٌ فاضح بعلوم القراءات.
3. عقيدة التحريف: أثبتنا أن القوم يصفون "الفاتحة المتواترة" بالتحريف والإشكال اللغوي، ويدعون أن الصواب هو ما وافق قراءة عمر رضي الله عنه!
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه توسَّل بذات العباس رضي الله عنه
4. النتيجة: المصحف الذي بين أيدينا هو المعجز بفصاحته، المحفوظ بحفظ الله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]، وكل ما خالفه فهو إما منسوخ أو تفسير أو حرف لم يستقر في العرضة الأخيرة.
لتحميل الملف pdf