يحاول الروافض إثبات وقوع التحريف في القرآن الكريم من خلال روايات أهل السُّنة، زاعمين أنَّ قنوت بعض الصحابة كعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بما يُسمى (سورتي الخلع والحفد)، وإثبات أبي بن كعب رضي الله عنه لهما في مصحفه، دليلٌ على ضياع أجزاء من الوحي، وهذا الزعم نابعٌ من الجهل بالفرق بين الدعاء المأثور والوحي المتعبد بتلاوته.
يقول عالمهم الخوئي: «وقد نقل بطرق عديدة عن ثبوت سورتي الخلع والحفد في مصحف ابن عباس، وأبي بن كعب: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونثني عليك، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق. وغير ذلك مما لا يهمنا استقصاؤه. وغير خفي أن القول بنسخ التلاوة بعينه القول بالتحريف والإسقاط». [البيان في تفسير القرآن، الخوئي، ص 205].
ويقول عالمهم صادق العلائي: «زيادة سورتي الحفد والخلع للقرآن؛ لنستعرض بعض رواياتهم التي تدل على أنـهما سورتان كغيرهما من سور القرآن..، وأخرج محمد بن نصر والطحاوي، عن ابن عباس، أن عمر بن الخطَّاب كان يقنت بالسورتين (اللهم إياك نعبد)، (واللهم إنا نستعينك)». [إعلام الخلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السَّلف، العلائي، 2/286].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بطلان النسبة المرفوعة للنبي ﷺ
إنَّ هذا الدعاء المعروف بـ(الخلع والحفد)، لم يثبت له إسنادٌ متصل مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق مقبول، فلا هو بالصحيح ولا الحسن، بل غاية ما في الأمر أنَّه صحَّ موقوفًا (أي من كلام الصحابة) عن بعضهم كعمر وابن عباس رضي الله عنهما؛ وبناءً على ذلك فلا يصح إثبات "قرآنية" نص بمجرد مرويات موقوفة؛ إذ إنَّ شرط القرآن أن يتواتر عند مجموع الأمة، وهو ما لم يحدث في هذا الدعاء.
ثانيًا: وجود الدعاء في مصحف الصحابة لا يعني قرآنِيته
إنَّ كتابة بعض الصحابة كأبي بن كعب رضي الله عنه لهذا الدعاء في مصحفه، أو قنوت عمر رضي الله عنه به، ليس دليلًا على أنَّه من القرآن؛ فقد كانت مصاحف الصحابة الشخصية تشتمل على ما ليس بقرآن.
• توجيه العلماء لهذا الفعل: يقول الدكتور محمد أبو شهبة: «لا نسلم أنهما من القرآن، وكتابة أبي بن كعب رضي الله عنه لهذا الدعاء في مصحفه لا يدل على القرآنية، ونحن نعلم أن مصاحف بعض الصحابة لم تكن قاصرة على المتواتر، بل كان بعضها مشتملًا على الآحادي والمنسوخ تلاوة، وعلى بعض تفسيرات وتأويلات، وأدعية، ومأثورات..، ووجوده في مصحف أبي رضي الله عنه لا يدل على أنه قرآن، كما أن القنوت به في الصلاة لا يدل على القرآنية». [المدخل لدراسة القرآن الكريم، محمد أبو شهبة، ص 259].
ثالثًا: اعتراف علماء الشيعة بأنها أدعية وليست قرآنًا
من باب الإفحام، نجد أنَّ من كبار علماء الشيعة من اعترف بأنَّ هذه النصوص هي أدعية مأثورة وقع فيها الخلط عند البعض، وليست من القرآن في شيء.
• شهادة عالمهم ناصر مكارم الشيرازي: يقول الشيرازي: «قد تكون الرّوايات تامّة من ناحية السند، إلَّا أنَّه وقع الخلط فيها بين الحديث القدسي أو الدعاء المأثور من جانب النبي صلى الله عليه وآله، أو الأئمّة وبين آيات القرآن العظيم..، ومنها ما رواه عبد الله بن رزين الغافقي..، وهذه أيضًا تنادي بأعلى صوتها بأنّها من الأدعية المأثورة كما لا يخفى». [أنوار الأصول، ناصر مكارم الشيرازي، 2/334].
ويضيف الشيرازي معلقًا على رواية قنوت عمر رضي الله عنه وبسملته قبلهما: «فهذه العبارة واضحة الدلالة على ما ذكرنا..، حيث إنّه يرشدنا إلى علّة الخلط والاشتباه في هذا المورد، وهي وجود البسملة في صدر الدعاءين». [أنوار الأصول، ناصر مكارم الشيرازي، 2/335].
رابعًا: ثبوت وقوع النسخ في القرآن الكريم
لا إشكال في وقوع النسخ في القرآن الكريم؛ فقد ثبت ذلك في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 106]، وقال الله تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 102].
• أقوال العلماء في نسخ السورتين: يقول السيوطي: «قال الحسين بن المنادي في كتابه «الناسخ والمنسوخ»: ومما رفع رسمه من القرآن، ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا «القنوت في الوتر» وتسمّى سورتي الخلع والحفد». [الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، 2/68].
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «ومثال نسخ الكتاب بالسنة: نسخ آية «عشر رضعات» تلاوة وحكما بالسنة المتواترة، ونسخ سورة (الخلع) وسورة (الحفد) تلاوة وحكما بالسنة المتواترة..، وقد أوضح صاحب «الدر المنثور» -وهو السيوطي- وغيره تحقيق أنهما كانتا سورتين من كتاب الله ثم نسختا». [أضواء البيان، الشنقيطي، 2/451].
خامسًا: توجيه كتابة أبي بن كعب رضي الله عنه لهما
أجاب السيوطي عن كتابة أبي بن كعب رضي الله عنه لهما في مصحفه بقوله: «أن القرآن وقع فيه النسخ كثيرا للرسم، حتى لسور كاملة، وآيات كثيرة، فلا بد أن يكون الترتيب العثماني هو الذي استقر في العرضة الأخيرة؛ كالقراءات التي في مصحفه، ولم يبلغ ذلك أبيا وابن مسعود رضي الله عنهما كما لم يبلغهما نسخ ما وضعاه في مصاحفهما من القراءات التي تخالف المصحف العثماني؛ ولذلك كتب أبي في مصحفه سورة الحفد، والخلع، وهما منسوختان». [أسرار ترتيب القرآن، السيوطي، ص 48].
أو يقال: إنّ أبي بن كعب رضي الله عنه كان يثبت في مصحفه ما ليس قرآنًا من دعاء أو تأويل.
قال الزرقاني: «قال صاحب «الانتصار» ما نصه: إن كلام القنوت المروي أن أبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم الحجة بأنه قرآن منزل، بل هو ضرب من الدعاء، وأنه لو كان قرآنا لنقل إلينا نقل القرآن، وحصل العلم بصحته..، وقد أثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء أو تأويل». [مناهل العرفان، الزرقاني، 1/271].
سادسًا: سورة الولاية المزعومة في كتب الرافضة
يزعم الرافضة، وخاصة الإخباريون منهم، أن هناك سورة كانت في القرآن، وأسقطها الصحابة، وهي سورة «الولاية».
يقول عالمهم الطهراني: «إنّ قصدنا من هذا الكلام هو أن نعرف أنَّ مؤلّف كتاب «دبستان المذاهب» إخباريٌّ محض، مع أنَّه مجهول، ولا يمكن الحكم على شخصٍ معيّن بنفسه.
وقد ذكر في كتابه سورة منحولة موضوعة هي سورة الولاية، زاعمًا أنّها ساقطة من القرآن، معرّفًا الشيعة من خلالها..، ومن الثابت أنَّ هذه السورة وضعها بعض الإخباريّين الذين تظاهروا بأنّهم أحرص على المذهب من غيرهم..، وقد افتروا هذه السورة، ونسبوها إلى الكلام الإلهيّ والعياذ بالله. ولهذا رأينا في كلام الآشتيانيّ أنّها لم تلحظ في كتاب آخر غير «دبستان المذاهب»، وقد أشار ابن شهر آشوب إلى سورة الولاية الساقطة». [معرفة الإمام، الطهراني، 14/117-118].
وقد ذكر النوري الطبرسي في كتابه «فصل الخطاب» وهو يعدد أقسام النقصان -بزعمه-: «الثالثة: نقصان السورة، وهو جائز كسورة الخلع والحفد وسورة الولاية». [فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، الطبرسي، ص 156-157].
الخلاصة:
1. انعدام السند القرآني: لم يثبت دعاء القنوت (الخلع والحفد) بوصفه قرآنًا مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هو دعاء صح موقوفًا عن بعض الصحابة، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر القطعي الذي لم يتحقق هنا.
2. حقيقة المصاحف الشخصية: كتابة أبي بن كعب رضي الله عنه لهما في مصحفه لا تدل على القرآنية؛ لأن مصاحف الصحابة كانت تشتمل على الأدعية والتفسيرات والمنسوخ، وهو ما لم يثبت في المصحف الإمام (العثماني) الذي أجمعت عليه الأمة وعمل به علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
3. النسخ ليس تحريفًا: لو سلم بقرآنيتهما قديمًا، فإنهما من منسوخ التلاوة بنص القرآن والسنة؛ والنسخ فعل إلهي لا يملك البشر رده، فخروجهما من الرسم العثماني هو استجابة لأمر الله بالنسخ، وليس ضياعًا أو تحريفًا.
4. شهادة الخصم: كبار علماء الشيعة (كالشيرازي) اعترفوا بأن النص دعاء مأثور وقع فيه الخلط، مما يسقط الاحتجاج به كدليل على التحريف.
5. الإفحام الحقيقي: يعتقد الرافضة بسقوط سور كاملة (كسورة الولاية)، ويصرح علماؤهم (كالطبرسي والجزائري) بوقوع النقص؛ فهم يرمون أهل السنة بمسألة "النسخ" الشرعية ليداروا عقيدتهم في "التحريف" البدعية؛ وصدق القائل: «رمتني بدائها وانسلت».
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه توسَّل بذات العباس رضي الله عنه
6. النتيجة: القرآن محفوظ بحفظ الله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وما بين الدفتين هو الوحي الكامل الذي لم ينقص منه حرف واحد.
لتحميل الملف pdf