من الوقائع الثابتة أن عمر رضي الله عنه، لما سمع خبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أنكر ذلك في بادئ الأمر من شدة الصدمة، وقال: إن رسول الله لم يمت، وإنه سيعود، حتى هدّأ من روعه الصديق أبو بكر رضي الله عنه مذكرًا إياه بالآيات الدالة على موته.
وقد اتخذ الرافضة من هذا الموقف مطعنًا في الفاروق؛ زاعمين أنه كشف عن عدم علمه بالقرآن أو عدم حفظه له؛ إذ قال محمد الشيرازي: «اتفق أصحاب الحديث والتاريخ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله لما توفّي أنكر عمر موته..، فلو كان عمر يحفظ القرآن أو يتفكر فيه، ما أنكر موت رسول الله؛ لقوله تعالى: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ" (الزمر: 30)..، فإذا كان عمر تاليًا لكتاب الله العزيز..، عارفًا لرموز القرآن وتعاليمه؛ ما أنكر موت النبي جازمًا بحيث يحلف عليه ويهدّد من خالفه!» («ليالي بيشاور»، محمد الشيرازي، ص1011).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الذهول البشري عند وقوع المصائب العظمى
إن ما اعتري عمر رضي الله عنه لم يكن جهلًا بالقرآن، بل كان دهشةً وذهولًا غلبا على حواسه من هول الفاجعة وكمال محبته للنبي صلى الله عليه وسلم.
والذهول والنسيان من اللوازم البشرية التي لا يسلم منها أحد عند تراكم الشدائد. ألا ترى أن "يوشع بن نون" نسي أن يخبر موسى عليه السلام بفقد الحوت رغم كونه نبيًّا؟
بل إن موسى عليه السلام وهو من أولي العزم نسي معاهدته مع الخضر ثلاث مرات. وقد قال تعالى في حق آدم عليه السلام: "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا" (طه: 115).
فإذا وقع النسيان والذهول من الأنبياء في مواقف أدنى من موت خاتم المرسلين، فكيف يُلام عمر على دهشته في أعظم فاجعة حلت بالأمة؟ («مختصر التحفة الاثني عشرية»، الآلوسي، ص252).
ثانيًا: سرعة الفيئة والوقوف عند النص
يُعد هذا الموقف من أعظم مناقب عمر رضي الله عنه؛ لأنه بمجرد أن ذكّره أبو بكر رضي الله عنه بالآيات، سكن روعه وتراجع فورًا ولم يصر على قوله، مما يثبت أنه كان وقّافًا عند كتاب الله، مقدمًا للنص الشرعي على مشاعره وعقله. وهذا شأن المؤمن الصادق الذي تغلبه بشريته ثم يرده الوحي.
ثالثًا: ثبوت وقوع "الغشي" والذهول للمعصومين في كتب الرافضة
يدعي الرافضة أن الذهول عن الواقع أو النص منقصة، في حين أن كتبهم تنسب للنبي صلى الله عليه وسلم ذهاب العقل والغشي من هول ما رأى في المعراج. فقد نقل محمد حسن النجفي خبرًا "بند جيد" جاء فيه: «فنظرت إلى شيء ذهب منه عقلي، فاستقبلت الأرض بوجهي ويدي..، فرجعت إليّ نفسي كلما قلت واحدة منها تجلى عني الغشي..، وصارت القعدة بين السجدتين استراحة من الغشي وعلو ما رأيت» («جواهر الكلام»، النجفي، 10/184). فإذا كان "ذهاب العقل" و"الغشي" مقبولًا في حق النبي صلى الله عليه وسلم عند رؤية جلال الله، فلماذا يُستنكر على عمر ذهوله عند فقد صاحب الجلال؟
رابعًا: "عِظم اليوم" عذرٌ مقبول عند الرافضة لغير عمر رضي الله عنه
نسب الرافضة لفاطمة رضي الله عنها أنها خاطبت عليًّا رضي الله عنه بكلام قاسٍ جدًّا -وحاشاها- إثر قضية فدك، فقالت له: «يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل» («شجرة طوبى»، محمد مهدي الحائري، 2/270).
وعندما أراد علماؤهم تبرير هذا الكلام الغليظ في حق "المعصوم"، قال الحائري: «ولا تلام..؛ لأن ذلك اليوم يوم عظيم، ولا يخفى على البصير عظم ذلك اليوم».
فإذا كان "عظم اليوم" وشدة المصيبة عذرًا كافيًا عندكم لفاطمة رضي الله عنها لتقول ما قالت في حق زوجها، فكيف لا يكون عذرًا لعمر رضي الله عنه في يوم هو أعظم وأفجع، وهو يوم موت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
الخلاصة:
1. موقف عمر رضي الله عنه كان تعبيرًا عن صدمة عاطفية وبشرية طبيعية، ولم يكن نابعًا من جهل بالقرآن، والذهول عند الفجائع سُنّة كونية جرت على الأنبياء قبل غيرهم.
2. رجوع عمر فور سماعه للآية يثبت تعظيمه للقرآن وانقياده له، وهو فضيلة لا نقيصة.
3. التناقض الرافضي يتجلى في قبولهم "ذهاب العقل" للنبي صلى الله عليه وسلم في المعراج، و"خروج الكلام القاسي" من فاطمة لعلي لعظم المصاب، بينما يحرمون عمر من هذا العذر في أعظم مصائب الدنيا.
4. إن محاولة تصوير المصاب البشري كأنه جهل معرفي هي قراءة سطيحة مغرضة، تتجاهل طبيعة النفس الإنسانية التي يقرها القرآن والسنة وتاريخ البشر.
لتحميل الملف pdf