يثير الشيعة مطعنًا في حق الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بدعوى أنهما تنازعا ورفعا صوتيهما في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما استوجب نزول القرآن بتوبيخهما.
ويستندون في ذلك إلى ما جاء في «صحيح البخاري»، من طريق ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير قال: «قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمِّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردتَ إلا خلافي، فقال عمر: ما أردتَ خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (الحجرات: 1)» («صحيح البخاري»، كتاب التفسير، 5/168، برقم 4367).
وعلق عالمهم الأميني على هذا المشهد منتقدًا للشيخين بقوله: «ألا تعجب من الرجلين أنهما طيلة مصاحبتهما هذا النبي المعظم صلى الله عليه وسلم لم يحدهما التأثر بأخلاقه الكريمة إلى الحصول على أدب محاضرة العظماء والمثول بين أيديهم..، وتماريا واحتدم الحوار بينهما، وارتفعت أصواتهما في ذلك، وكاد الخيران أن يهلكا حتى جعلا أعمالهما في مَظِنة الإحباط؛ فنزلت الآية الكريمة» («الغدير»، الأميني، 7/223).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: طبيعة الخلاف ووقوعه من غير قصد
إن أقصى ما تثبته الرواية هو وقوع اختلاف في وجهات النظر بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في مسألة إدارية تتعلق بتولية أمير على وفد بني تميم.
هذا الاختلاف نبع من حرص كل منهما على المصلحة العامة، وارتفاع الصوت لم يكن مقصودًا به الاستخفاف بمقام النبوة، بل كان نتيجة طبيعية لاحتدام النقاش البشري، فنزلت الآية لتضع دستورًا أدبيًّا دائمًا للصحابة وللأمة من بعدهم.
ثانيًا: سرعة الاستجابة والتزام الأدب التام بعد نزول الآية
تغفل الشبهة بقية الرواية التي توضح أثر التربية القرآنية في نفوس الصحابة؛ فقد ورد في الرواية نفسها أن ابن الزبير قال: «فكان عمر بعد (أي بعد نزول الآية)، إذا حدّث النَّبي صلى الله عليه وسلم بحديثٍ حدَّثه كأخي السِّرَارِ لم يسمعه حتَّى يستفهمه" («صحيح البخاري»، كتاب الاعتصام، 9/97، برقم 7302).
وهذا يعني أن عمر رضي الله عنه صار يهمس همسًا خفيفًا مبالغة في الأدب، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطلب منه إعادة الكلام لعدم سماعه. قال علي القاري في شرح هذا الحال: «كأخي السِّرار -بكسر السين المهملة-، أي: إلَّا مشابهًا لصاحب النجوى والمساررة، والمعنى: لا أكلمك إلَّا سرًّا..، كما بينه بقوله: (ما كان يُسْمِع رسول الله صلى الله عليه وسلم) بعد هذه الآية، حتَّى يستفهمه؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم من عمر عما ساروه به لكمال إخفائه» («شرح الشفا»، علي القاري، 2/67).
ثالثًا: مكيالان في التعامل مع "سوء الأدب" عند الرافضة
بينما يشن عالمهم الأميني هجومًا لاذعًا على الشيخين، نجد أن كتبهم تروي مواقف لأوثق رواتهم تضمنت رفع صوت وجدالًا في حضرة الأئمة، ومع ذلك يجدون لها مئات الأعذار. فقد روى الكليني أن "زرارة بن أعين" (وهو من كبار ثقاتهم) جادل الإمام الباقر ورفع صوته بحضرته؛ حيث جاء في الرواية: «فارتفع صوت أبي جعفر (الباقر) عليه السلام وصوتي حتى كان يسمعه من على باب الدار" («الكافي»، الكليني، 4/137). وصف المجلسي هذا الحديث بقوله: «الحديث الثالث: حسن كالصحيح" («مرآة العقول»، المجلسي، 11/106).
والعجيب هو حجم التبريرات التي ساقها المجلسي لزرارة رغم اعترافه بسوء أدبه؛ حيث قال: «هذا مما يقدح به في زرارة، ويدل على سوء أدبه، ولما كانت جلالته وعظمته..، مما أجمعت عليه الطائفة، فلا يعبأ بما يوهم خلاف ذلك. ويمكن أن تكون هذه الأمور: في بدو أمره، أو كان هذا من طبعه وسجيته ولم يمكنه ضبط نفسه، أو لشدة تصلبه في الدين» («مرآة العقول»، المجلسي، 11/107-108).
فإذا كانت "السجية" و"التصلب في الدين" أعذارًا مقبولة لزرارة حين رفع صوته على الإمام، فلماذا تُسلب هذه الأعذار من عمر رضي الله عنه وهو المعروف بشدته وصلابته؟
رابعًا: التبرير لزرارة بالجهل أو فرط الولاية
اعتمد علماء الرافضة منهج "الترقيع" لزرارة؛ فقال المازندراني عن رفع صوته: «يدل على سوء أدب زرارة وانحرافه، والحق أنه من أفاضل أصحابنا وأنه منزه عن مثل ذلك، وكأن قوله هذا كان قبل استقراره على المذهب الصحيح، أو كان قصده معرفة كيفية المناظرة..، ورأى أن المبالغة فيها لا تسوؤه عليه السلام بل تعجبه" («شرح أصول الكافي»، المازندراني، 10/54).
وعلق محقق الكتاب "الشعراني" مدافعًا عن زرارة: «أما سوء الأدب فهو كذلك، وأما الانحراف فلا يدل كلامه عليه؛ إذْ ربَّ محب يطيش فيخرج عن الأدب لا عن الحب، وليس كل أحد معصومًا عن الزلل» («شرح أصول الكافي»، هامش المازندراني، 10/54).
هذا المنطق الذي استخدمه الشعراني بقوله: "محب يطيش فيخرج عن الأدب لا عن الحب" هو تمامًا ما ينطبق على أبي بكر وعمر، ولكن الرافضة يحرمون الصحابة من هذا الإنصاف الذي يمنحونه لرواتهم.
الخلاصة:
ارتفاع صوت الشيخين كان عارضًا بشريًّا نابعًا من الحرص على مصلحة المسلمين، ولم يكن استخفافًا بالمقام النبوي.
سرعة استجابة الشيخين للآيات وتحول صوت عمر إلى "السرار" هو أكبر دليل على تعظيمهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتأثرهما بالقرآن.
التناقض الصارخ عند علماء الرافضة؛ فهم يعترفون بسوء أدب زرارة مع الإمام الباقر ورفع صوته عليه، ثم يبررون له بأنه "محب طاش" أو أنها "سجية"، بينما يمنعون هذه التفسيرات عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
اقرأ أيضا| زعمهم قول الفاروق رضي الله عنه عن القرآن: «ذهب منه كثير»
القاعدة التي قررها محققوهم (الشعراني والمجلسي) بأن "الزلل لا ينافي الوثاقة والحب" هي قاعدة صحيحة، ولكنهم يطبقونها فقط على رجالهم، ويجحدونها في حق خير الخلق بعد الأنبياء.
لتحميل الملف pdf