تحاول هذه الفرية تحويل عملٍ مقصده حماية التوحيد وسدُّ أبواب الشرك إلى "عقدة نفسية" زعموا أنها طاردت عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ مدعين أنه قطع الشجرة ليطمس ذكرى مراجعته للنبي يوم الحديبية، وهو ادعاءٌ باطلٌ ينقضه العقل والنقل، بل ويكذبه علماء الشيعة أنفسهم.
زعم عالمهم جعفر مرتضى العاملي أنَّ عمر لم يطق رؤية المسلمين يتعاهدون الشجرة، فأمر بقطعها. [الصحيح من سيرة النبي، العاملي، 16/42-43].
بل زاد محمد الرصافي في الكذب مدعيًا أن القطع لم يكن خوفًا من عبادتها؛ بل لأنها كانت تذكره بما أسماه "تمرد عمر" على أمر النبي صلى الله عليه وسلم. [نعم لقد تشيعت، الرصافي، 195].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: اختلاف أهل العلم في صحة قصة القطع
انقسم العلماء في هذه الواقعة إلى قولين، وكلاهما يُبطل دعوى "التمرّد":
القول الأول: أن الشجرة فُقدت ولم يُعرف مكانها أصلًا.
ودليلهم ما رواه البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه (وكان ممن بايع تحتها) قال: «فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها».
وفي رواية أن سعيدًا استنكر على من ادعى معرفتها قائلًا: «إنَّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم! فأنتم أعلم!». [صحيح البخاري، 5/124].
كما ذكر الطبري أن الناس اختلفوا في مكانها في عهد عمر، فقال عمر: «سيروا، هذا التكلف»، فذهبت الشجرة بسيلٍ أو غيره. [تفسير الطبري، 22/226].
القول الثاني: أن عمر قطع شجرةً كان الناس يظنونها شجرة البيعة.
ويستند أصحاب هذا القول إلى أثر نافع أن عمر بلغه أن أناسًا يأتون الشجرة ويصلون عندها، فأمر بها فقطعت. [مصنف ابن أبي شيبة، 5/121].
والحاصل كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: «أمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم تحتها.. لما رأى الناس ينتابونها ويصلون عندها». [اقتضاء الصراط المستقيم، 1/306].
ثانيًا: اعتراف عالمهم "السبحاني" ببطلان القصة
من المدهش أنَّ أحد كبار مراجع الشيعة، جعفر السبحاني، ردَّ هذه القصة وفنّدها، معتبرًا أن الرواية لا تثبت؛ حيث قال: «يلاحظ عليه: أولًا: أن السند منقطع، ولم يسنده نافع إلى شيخ من مشايخه، فلا يحتج بالسند المقطوع. ثانيًا: أن هناك دلائل واضحة على أن الشجرة صارت مجهولة لأصحاب الرسول في العام التالي، فكيف يمكن أن تعرف في عهد عمر؟». ثم استدل بحديث ابن عمر وبقول سعيد بن المسيب المذكورين في البخاري. [حوارات عقائدية معاصرة، السبحاني، 32].
ثالثًا: تهافت فرية "التذكير بالتمرد"
لو كان عمر رضي الله عنه يخشى الذكرى، لكان من باب أولى أن يمنع تداول سورة "الفتح" التي تخلد ذكرى الحديبية وبيعة الرضوان، أو يمنع رواية أحاديث الفضل فيمن بايع تحتها.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يفتخر بأنه من أهل البيعة الذين رضي الله عنهم.
الفعل المنسوب لعمر (لو صح) هو محض حماية لجناب التوحيد؛ فإنه لما رأى الناس يتبركون بها خشي عليهم الفتنة، ففعل ما يفعله إمامٌ عادلٌ يغار على عقيدة رعيته.
الخلاصة:
انقطاع الرواية: أثر قطع عمر للشجرة فيه انقطاع سندي كما أقر بذلك مرجعهم جعفر السبحاني، بينما الأصح في البخاري أن الشجرة أُنسي مكانها رحمةً من الله.
المقصد الشرعي: إن صحَّ القطع، فالمقصد هو سدُّ ذريعة الشرك والتبرك المبتدع، وهو مقتضى الإمامة والغيرة على التوحيد، وليس خوفًا من ذكرى تاريخية.
التناقض الشيعي: كيف يُشنَّع على عمر بقطع شجرة "موهومة" لحماية التوحيد، بينما يقرون في كتبهم بأنَّ الشجرة الحقيقية قد فُقدت وأُنسي مكانها من قبل أصحاب الشجرة أنفسهم؟
خيال الرصافي: زعم الرصافي أن عمر قطعها لأنها تذكره بتمرد "موهوم" هو خيالٌ روائي لا يستند إلى أثر ولا عقل؛ فذكرى الحديبية فتحٌ ونصرٌ ورضا إلهي، والقرآن خلدها، فماذا ينفع قطع شجرة في محو آيات تتلى آناء الليل وأطراف النهار؟!
اقرأ أيضا| افتراؤهم بأنَّ تبشير غير المعصوم بالجنة إغراءٌ بالقبيح
ميزان الإنصاف: اعتراف السبحاني بانقطاع الرواية وجهالة مكان الشجرة يقطع الطريق على كل متربص يحاول استغلال هذه القصة للنيل من الفاروق.
لتحميل الملف pdf