تُعد حادثة صلح الحديبية من المواقف العظيمة التي تجلى فيها كمال امتثال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد مراجعاتٍ بشريةٍ طبيعية؛ إلا أنَّ مراجع الشيعة استغلوا إحدى الروايات ليصموُا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالشك في الدين، متجاهلين سياق الرواية وحال الفاروق ومقامه.
فزعم عالمهم محمد طاهر الشيرازي أنَّ قول عمر يوم الحديبية: «ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذٍ» دليلٌ صريحٌ على كفره وبطلان إمامته؛ لأنَّ الشك في الدين كفر. [كتاب الأربعين، الشيرازي، 552].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: نكارة زيادة "ما شككت" من الناحية الحديثية
هذه الجملة التي بنى عليها القوم شبهتهم لم تثبت في أصح روايات الحديث؛ فالبخاري في "صحيحه" وأحمد في "المسند" رويا قصة الحديبية من طريق الزهري عن عروة عن المسور ومروان، ولم يذكرا هذه الجملة أبدًا. [صحيح البخاري، 3/193]، [مسند أحمد، 31/243].
• إنما وردت الزيادة عند عبد الرزاق في "المصنف" من طريق (إسحاق الدبري)، وهو ممن تُكلم في انفراده عن عبد الرزاق. [ميزان الاعتدال، الذهبي، 1/181].
• ووردت عند ابن حبان من طريق (محمد بن المتوكل)، وهو "لين الحديث" لا يُحتج بما انفرد به. [الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم، 8/105].
ثانيًا: حقيقة المراد بالشك (لو صحت الزيادة)
لو سَلَّمنا بصحة اللفظ جدلًا، فإنَّ حمله على الشك في أصل الدين أو نبوة الرسول باطلٌ بقرائن الحادثة نفسها؛ ففي رواية أحمد أنَّ أبا بكر لما قال لعمر: «إني أشهد أنه رسول الله»، قال عمر رضي الله عنه مباشرة: «وأنا أشهد». [مسند أحمد، 31/217].
• المعنى الصحيح للشك هنا: هو الحيرة في "وجه المصلحة" من شروط الصلح التي بدت قاسية في ظاهرها، وهو نوع من الوسوسة أو خطور البال الذي يعرض للمجتهد ليعرف الحكمة، ولا يؤاخذ عليه الإنسان بل يُؤجر عليه لمجاهدته. [فتح الباري، ابن حجر، 5/347].
• ويُشبهه قول إبراهيم عليه السلام: "ولكن ليطمئن قلبي" [البقرة: 260]؛ فهو ليس شكًّا في قدرة الله، بل رغبة في مزيد اليقين والكشف.
ثالثًا: ندم عمر رضي الله عنه وشدة عبادته تكفيرًا لتلك المراجعة
لم يستمر عمر على حاله تلك، بل ندم ندمًا شديدًا لكونه راجع النبي صلى الله عليه وسلم، وظل يُكفّر عن ذلك بالعمل الصالح؛ حيث قال: «ما زلت أصوم وأتصدَّق وأصلِّي وأعتق من الَّذي صنعت؛ مخافة كلامي الَّذي تكلَّمت به يومئذٍ». [مسند أحمد، 31/217].
وهذا حال المؤمن الصادق الوجل، لا حال الشاك أو المنافق.
رابعًا: شك "زرارة" الثقة عند الشيعة واعتذارهم له
من التناقض العجيب أنَّ مراجع الشيعة يروون عن كبير رواتهم (زرارة بن أعين) أنه شك في صدق إمامهم الباقر علانية؛ ومع ذلك لم يكفروه!
• روى الكليني واللفظ للمجلسي أنَّ زرارة لما قرأ صحيفة الفرائض عند الصادق قال في نفسه: «باطل»، فوسوس له الشيطان: «وما يدريه (أي الباقر) أنه إملاء رسول الله»، فناداه الإمام: «يا زرارة لا تشكنَّ». [ملاذ الأخيار، المجلسي، 15/227].
• اعتذر عالمهم المجلسي لزرارة بقوله: «وهذه الأشياء كانت في بدو أمر زرارة قبل رسوخه في الدين، فلا ينافي جلالته وعلو شأنه». [مرآة العقول، المجلسي، 23/145].
• والسؤال: لماذا يُعدُّ شك زرارة في كلام المعصوم "لا ينافي جلالته"، بينما يُعدُّ تساؤل الفاروق عن وجه المصلحة كفرًا وردة؟!
الخلاصة:
• ضعف الرواية: زيادة "ما شككت" زيادة منكرة لا تثبت في الأصول الصحيحة، ومدارها على رواة ضعفاء أو ممن لا يُقبل تفردهم.
• فهم المقصد: الشك المذكور -إن ثبت- هو تساؤل المجتهد عن الحكمة من شروط الصلح، وليس شكًا في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل تصريحه بالشهادة في نفس الموقف.
• الصدق في التوبة: موقف عمر اللاحق من كثرة العبادة والصدقة خوفًا من مغبة مراجعته للنبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم دليل على رسوخ إيمانه وتقواه.
• ازدواجية المعايير: مراجع الشيعة يقبلون شك (زرارة) في المعصوم ويبررون له، بينما يشنعون على الفاروق في موقفٍ كان غرضه الغيرة على الدين وعزة المسلمين.
اقرأ أيضا| افتراؤهم على لفظة (زراط) وتدليسهم في مخارجها ومعانيها
• الحكمة الإلهية: أثبتت الأيام أنَّ صلح الحديبية كان "فتحًا مبينًا" كما نزل القرآن، وعمر رضي الله عنه كان من أوائل من أذعن واستغفر، فكيف يُحاسب بـ "خاطرة" مَحتها التوبة والعمل الصالح؟
لتحميل الملف pdf