أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

حديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها».. رامي عيسى يناقش الروايات وأدلة الأفضلية (فيديو)

تناول الدكتور رامي عيسى، الباحث المتخصص في الشأن الشيعي، الجدل المثار حول المفاضلة العلمية بين علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما، ورد على استدلال بعض الشيعة بحديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، مستعرضًا ما وصفه بضعف الحديث من جهة الإسناد والمتن، إلى جانب أدلة من كتب أهل السنة والشيعة على مكانة أبي بكر الصديق العلمية.

 

رامي عيسى: حديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها» لا يثبت

 

استهل رامي عيسى حديثه بالإشارة إلى استدلال بعض الشيعة بحديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها» لإثبات أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعلى علمًا من سائر الصحابة، معتبرًا أن هذا الاستدلال لا يصح من جهة النقل ولا العقل.

 

وأوضح أن الأخذ بظاهر الحديث يعني أن علم النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل إلى الأمة إلا من خلال شخص واحد، وهو ما اعتبره طعنًا في طريقة نقل الدين، مشيرًا إلى أن الإسلام وصل إلى الأمة من خلال الصحابة الذين نقلوا العلم في مختلف الأمصار، ثم نقله التابعون إلى من بعدهم.

 

واستشهد عيسى بما أورده الشيخ الألباني في كتاب «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة»، المجلد السادس، الصفحات من 518 إلى 530، حيث نقل عنه قوله إن حديث «مدينة العلم» ليس في أسانيده ما تقوم به الحجة، وإن طرقه ضعيفة، وبعضها أشد ضعفًا من بعض، مضيفًا أن من حسّن الحديث أو صححه لم ينتبه إلى عنعنة الأعمش في الإسناد الأول.

 

كما استشهد بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب «منهاج السنة»، المجلد السابع، الصفحات 515 إلى 517، حيث وصف الحديث بأنه من أوهى الروايات وأضعفها، وأنه يُعد في الموضوعات، موضحًا أن ضعف المتن يظهر، وفق ما نقله عيسى، من أن حصر نقل العلم في شخص واحد يفضي إلى فساد أمر الإسلام، بينما اتفق المسلمون على ضرورة نقل العلم عن طريق عدد تتحقق بهم صفة التواتر.

 

وأشار عيسى إلى أن الاعتقاد بانحصار العلم في شخص واحد يثير تساؤلات حول استمرار نقل الدين، متسائلًا عما إذا كان الدين سيضيع بغياب هذا الشخص أو وفاته، مؤكدًا أن الصحابة نقلوا العلم إلى بقية الأمة، ثم تناقله التابعون حتى وصل إلى المسلمين.

 

وتطرق إلى ما وصفه بالتناقض في بعض الطروحات الشيعية المتعلقة بمكانة فاطمة رضي الله عنها وعلي بن أبي طالب، وما يردده بعضهم بشأن تعرض فاطمة للظلم وكسر ضلعها، متسائلًا عن كيفية وصول العلم إلى الأمة إذا كان ناقله الوحيد قد غاب أو مُنع من نشره. كما أشار إلى ما يزعمه بعض الشيعة من أن عليًا رضي الله عنه بقي في بيته نحو 24 عامًا وستة أشهر، في ظل حكم أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وربط ذلك بإشكالية القول بانفراد علي بنقل العلم.

 

واستعاد عيسى موقفًا من طفولته، حين كان أحد أصدقاء والده، وهو رجل صوفي اعتاد حضور الموالد، يتحدث كثيرًا عن عمر وعلي بن أبي طالب، ويستشهد بحديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها». وأوضح أن والده، رحمه الله، تأثر ببعض ما كان يسمعه منه، لافتًا إلى انتشار هذا الحديث بين بعض الناس في مصر، قبل أن يتعرف لاحقًا إلى ما أورده ابن تيمية بشأنه.

 

وخلص في هذا المحور إلى أن الحديث، وفق تقييمه، لا يصلح دليلًا على انفراد علي بالعلم، بل إن متنه، بحسب استدلاله، يتعارض مع واقع انتقال الدين عبر أعداد كبيرة من الصحابة.

 

أسبقية أبي بكر الصديق في العلم وفق الأدلة التي استعرضها رامي عيسى

 

انتقل عيسى إلى عرض أدلة قال إنها تثبت أسبقية أبي بكر الصديق رضي الله عنه في العلم، مستندًا إلى روايات من كتب أهل السنة، إلى جانب نصوص أشار إلى ورودها في مصادر شيعية.

 

واستشهد بما أورده الحاكم وصححه على شرط الشيخين، بشأن اعتراف علي بن أبي طالب والزبير بأن أبا بكر أحق بالخلافة، مستدلًا بقوليهما: «إنا نرى أبا بكر أحق الناس بها»، وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالصلاة بالناس وهو حي. وأحال إلى كتاب «المستدرك»، المجلد الثالث، الصفحة 70.

 

كما استند إلى الحديث الوارد في صحيح مسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، موضحًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يتقدم أبو بكر للصلاة بالناس، مستشهدًا بقوله: «مروا أبا بكر فليصل بالناس».

 

وفي سياق الاستدلال من كتب الشيعة، أشار عيسى إلى ما أورده الشيخ الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه»، المجلد الأول، الصفحتين 377 و378، من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إمام القوم وافدهم فقدموا أفضلكم»، متسائلًا عن الشخص الذي تولى الإمامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعتبرًا أن تقديم أبي بكر للصلاة بالمسلمين يتفق مع هذا المبدأ.

 

واستشهد كذلك بما نقله يوسف البحراني في «شرح الرسالة الصلاتية»، المجلد الأول، الصفحة 159، بشأن قاعدة قبح تقديم المفضول على الفاضل، معتبرًا أن هذه القاعدة تدعم الاستدلال بتقديم أبي بكر للصلاة بالمسلمين.

 

وأوضح عيسى أن أبا بكر رضي الله عنه استمر في الصلاة بالمسلمين خلال مرض النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أن مدة إمامته لهم بلغت 13 يومًا، وفق ما ذكره الحافظ ابن حجر. واعتبر أن تقديم النبي له للصلاة يمثل تزكية نبوية لمكانته في القراءة والعلم.

 

وأضاف أن ما أورده عن صلاة أبي بكر بالمسلمين أقر به، بحسب عرضه، بعض علماء الشيعة، ومنهم مرتضى المظفر، وأحال إلى كتاب «السقيفة»، الصفحة 50، في سياق حديثه عن الاعتراف بصحة إمامة أبي بكر للمسلمين في الصلاة.

 

شهادة أبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب في علم أبي بكر

 

وفي المحور الثالث، استعرض رامي عيسى ما اعتبره شهادات من الصحابة على علم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، مشيرًا إلى أن معرفة مكانة الرجال تكون من خلال شهادات معاصريهم وأقرانهم.

 

واستشهد بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، في قصة تخيير النبي صلى الله عليه وسلم بين الدنيا وما عند الله، حين قال أبو سعيد: «فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا».

 

وأوضح عيسى أن الحديث يتعلق بالموقف الذي اختار فيه النبي صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى، فبكى أبو بكر وقال: «فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله»، معتبرًا أن وصف أبي بكر بأنه أعلم الصحابة يمثل شهادة على مكانته العلمية.

 

كما استشهد برواية للإمام أحمد، قال إنها وردت بسند صحيح في «مسند أحمد»، المجلد الأول، الصفحة 179، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيها قوله: «وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من رجل يذنب ذنبًا، فيتوضأ فيصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له».

 

واعتبر عيسى أن رواية علي عن أبي بكر، وقوله «وصدق أبو بكر»، دليل على رجوع علي إلى ما ينقله الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم، مستشهدًا كذلك بما ذكره المباركفوري في كتاب «تحفة الأحوذي»، المجلد الثاني، الصفحة 367، بشأن دلالة قول علي على مكانة أبي بكر في الصدق والعلم.

 

وأشار إلى أن أبا بكر انفرد، وفق ما عرضه، بمعرفة مكان دفن النبي صلى الله عليه وسلم، معتبرًا أن هذه المسائل تؤكد مكانته بين الصحابة، ومتسائلًا عن كيفية القول بأن عليًا هو الباب الوحيد للعلم، بينما كان ينقل عن أبي بكر ويصدقه.

 

تولي أبي بكر الصلاة والزكاة والحج دليل على علمه

 

وتناول عيسى ما وصفه بدلالة المهام التي أسندها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق، مستندًا إلى ما نقله ابن حزم بشأن توليه مسؤوليات دينية مهمة.

 

وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر على الصلاة، التي وصفها بأنها عمود الدين، وعلى الصدقات، التي أشار إليها باعتبارها الركن الثالث، كما استعمله على الحج.

 

واعتبر عيسى أن إسناد هذه المهام إلى أبي بكر يدل على علمه بأحكام الصلاة والزكاة والحج، مستندًا إلى قاعدة مفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسند المهام الدينية الكبرى إلى من يجهل أحكامها.

 

وأضاف أن هذه المسؤوليات، إلى جانب ملازمة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، تمثل في رأيه دليلًا على اتساع علمه بالأحكام الشرعية، وأن تقييم العلم لا يقتصر على عدد الأحاديث المروية، بل يشمل طبيعة المهام التي تولّاها الصحابي ومدى ملازمته للنبي.

 

لماذا روى علي بن أبي طالب أحاديث أكثر من أبي بكر؟

 

وتطرق رامي عيسى إلى المقارنة بين عدد الروايات المنقولة عن علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما، مشيرًا إلى أن بعض الاستدلالات تقوم على أن لعلي نحو 586 رواية، مقابل 142 رواية لأبي بكر.

 

ورأى عيسى أن الاستدلال بعدد الروايات وحده لا يكفي للحكم على الأفضلية العلمية، مستشهدًا بما نقله ابن حزم بشأن أسباب قلة مرويات أبي بكر مقارنة بعلي.

 

وأوضح أن أبا بكر عاش بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نحو سنتين ونصف السنة، وانشغل خلال هذه الفترة بأحداث منها حروب الردة وإنفاذ جيش أسامة وحرب مسيلمة الكذاب، في حين عاش علي بن أبي طالب نحو ثلاثين سنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وأضاف أن وجود جمهور الصحابة في زمن أبي بكر أتاح استمرار نقل العلم بينهم، بينما زادت الحاجة إلى الرواية عن علي في فترة لاحقة، بعد وفاة عدد كبير من الصحابة.

 

واعتبر عيسى أن هذا الاختلاف في ظروف الحياة والمدة المتاحة للرواية يفسر تفاوت عدد الأحاديث المنقولة عن الصحابيين، مشددًا على أن العبرة ليست بكثرة المرويات وحدها، وإنما كذلك بنوعية المهام، والملازمة، والتحقيق، والعمل.

 

وأكد أن أبا بكر كان، وفق طرحه، من أكثر الصحابة ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، وأن مشاهدته للأحكام ومشاركته في شؤون الدين كانتا من العوامل التي يستدل بها على مكانته العلمية.

 

رامي عيسى يلخص أدلته على مكانة أبي بكر العلمية

 

واختتم رامي عيسى حديثه بتلخيص أبرز النقاط التي استند إليها في الرد على شبهة «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، مؤكدًا أن الحديث لا يصلح، وفق تقييمه، دليلًا على انفراد علي بن أبي طالب بالعلم.

 

وتمثلت أبرز النقاط التي عرضها في:

 

1. الاعتراض على حديث مدينة العلم: استند إلى ما نقله الألباني وابن تيمية بشأن ضعف الحديث أو الحكم عليه بالوضع، وإلى ما اعتبره تعارضًا بين معناه وبين انتقال العلم عن طريق الصحابة.

 

2. تقديم أبي بكر للصلاة بالمسلمين: اعتبر أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بإمامة المسلمين دليل على مكانته في القراءة والعلم، وأشار إلى استمرار ذلك خلال مرض النبي لمدة 13 يومًا وفق ما ذكره ابن حجر.

 

3. شهادات الصحابة: استشهد بقول أبي سعيد الخدري إن أبا بكر كان أعلم الصحابة، وبقول علي بن أبي طالب «وصدق أبو بكر»، معتبرًا أن ذلك يدعم استدلاله على مكانة الصديق العلمية.

 

4. المهام الدينية والملازمة: استند إلى تولي أبي بكر شؤون الصلاة والزكاة والحج، وإلى ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم، باعتبارهما من الأدلة على اتساع علمه.

 

وشدد عيسى في ختام طرحه على أن هذه الأدلة، بحسب استنتاجه، ترد على القول بانفراد علي بن أبي طالب بالعلم، وتدعم ما ذهب إليه من أسبقية أبي بكر الصديق رضي الله عنه في العلم ومكانته بين الصحابة.


لتحميل الملف pdf

تعليقات