زعمهم وصف عائشة لمعاوية بالفاجر

الشبهة:

روى ابن عساكر عن الأسود بن يزيد قال: «قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد ص في الخلافة؟ قالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة»([1]).


([1]) تاريخ دمشق (59-145).

الرد علي الشبهة:

هذا أثر إسناده ضعيف من جهة المتن والإسناد.

  • فأيوب بن جابر أبو سليمان اليمامي: ضعيف عند أكثر أهل العلم بالحديث، ضعفه ابن معين وابن المديني والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان ومعاوية بن صالح([1])، وقال أبو حبان: «كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به لكثرة وهمه»([2]).
  • عبد الرحمن بن محمد بن يحيى: ابن ياسر الجوبري فيه جهالة، ترجمه الذهبي في سيره ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا([3]).

فمتن الرواية فيه نكارة؛ إذ معلوم أن معاوية ا لم ينازع عليًّا ا على الخلافة قط، فالخلاف بين علي ومعاوية ب أيهما الْمُقَدَّم: القصاص من قتلة عثمان ثم البيعة لعلي، أم البيعة لعلي ثم القصاص من قتلة عثمان؟ وقد كان رأيُ معاوية ا تقديم القصاص على البيعة، بخلاف رأي علي
-رضوان الله عليه- وهو تقديم البيعة على القصاص.

قال الحافظ ابن حجر: «وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْن سُلَيْمَان الْجُعْفِيُّ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ صِفِّين فِي تَأْلِيفِهِ بِسَندٍ جَيِّدٍ عَن أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانيِّ أَنهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أَنتَ تُنازِعُ عَلِيًّا فِي الْخِلَافَةِ! أَوَ أَنتَ مِثْلُهُ؟ قَالَ: لَا، وَإِني لَأَعْلَمُ أَنهُ أَفْضَلُ مِني وَأَحَقُّ بِالْأَمْرِ، وَلَكِن أَلَسْتُمْ تَعْلَمُون أَن عُثْمَان قُتِلَ مَظْلُومًا؟ وَأَنا ابْن عَمِّهِ وَوَلِيُّهُ أَطْلُبُ بِدَمِهِ، فَأْتُوا عَلِيًّا فَقُولُوا لَهُ يَدْفَعُ لَنا قَتَلَةَ عُثْمَان»([4]).

يقول إمام الحرمين الجويني: «إن معاوية وإن قاتل عليًّا فإنه لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه، وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظنًّا منه أنه مصيب، وكان مخطئًا»([5]).

وقال ابن تيميَّة: «ومُعَاوِيَةُ لَمْ يَدَّعِ الْخِلَافَةَ؛ وَلَمْ يُبَايَعْ لَهُ بِهَا حَيْن قَاتَلَ عَلِيًّا، وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلَى أَنهُ خَلِيفَةٌ، وَلَا أَنهُ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ، وَيُقِرُّون لَهُ بِذَلِك، وَقَدْ كَان مُعَاوِيَةُ يُقِرُّ بِذَلِك لِمَن سَأَلَهُ عَنهُ»([6]).

ويذكر ابن كثير أن أبا الدرداء وأبا أمامة ب دخلا على معاوية فقالا له: «يا معاوية! عَلَامَ تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا، وأقرب منك إلى رسول الله ص وأحق بهذا الأمر منك». فقال: «أقاتله على دم عثمان، فاذهبا إليه فقولا: فليقدْنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام»([7]).

يقول ابن حجر الهيتمي: «ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين معاوية وعلي ب من الحرب، لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة؛ للإجماع على أحقيتها لعلي، فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علِي تسليم قتلة عثمان إليهم؛ لكون معاوية ابن عمه، فامتنع علي»([8]).

وقد تضافرت الروايات المشيرة إلى أن معاوية ا خرج للمطالبة بدم عثمان، وأنه صرح بدخوله في طاعة عليٍّ ا إذا أقيم الحد على قَتَلَتِه([9]).

بل إن الشيعة أنفسهم أقروا هذه الحقيقة، فذكروا في نهج البلاغة عن عليِّ بن أبي طالب ا أنه قال: «وَكَان بَدْءُ أَمْرِنا أَنا الْتَقَيْنا وَالْقَوْمُ مِن أَهْلِ الشَّامِ، وَالظَّاهِرُ أَن رَبَّنا وَاحِدٌ، وَنبِيَّنا وَاحِدٌ، وَدَعْوَتَنا فِي الإسْلَامِ وَاحِدَةٌ، لَا نسْتَزِيدُهُمْ فِي الإيمَان باللهِ وَالتَّصْدِيقِ بِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وآله-، وَلَا يَسْتَزِيدُوننا، الأمْرُ وَاحِدٌ، إِلَّا مَا اخْتَلَفْنا فِيهِ مِن دَمِ عُثْمان، وَنحْن مِنهُ بَرَاءُ!»([10]).

 

˜³™


([1]) انظر: ميزان الاعتدال (1/285).

([2]) المجروحين، ابن حبان (1/167).

([3]) سير أعلام النبلاء (17/415) انظر: التهذيب (1/201)، المجروحين (1/167)، الكامل (1/355)، تذكرة الحفاظ (3/1076).

([4]) فتح الباري (13/86).

([5]) لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة (ص115).

([6]) مجموع الفتاوى (35/72).

([7]) البداية والنهاية (7/360).

([8]) الصواعق المحرقة (ص325).

([9]) معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين وكاتب وحي النبي الأمين ق، كشف شبهات ورد مفتريات، شحاتة صقر (ص210 -211).

([10]) نهج البلاغة (ص735).