وضْع النبي صلي الله عليه وسلم خدَّه على فخذ عائشة رضي الله عنها وهي حائض
الشبهة:
قال الإمام أبو داود: «عَن عُمَارَةَ بْنِ غُرَابٍ قَالَ: إِن عَمَّةً لَهُ حَدَّثَتْهُ أَنهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِحْدَانا تَحِيضُ وَلَيْسَ لَهَا وَلِزَوْجِهَا إِلَّا فِرَاشٌ وَاحِدٌ؟ قَالَتْ: أُخْبِرُكِ بِمَا صَنعَ رَسُولُ اللهِ ق، دَخَلَ فَمَضَى إِلَى مَسْجِدِهِ، (قَالَ أَبُو دَاوُد: تَعْني مَسْجِدَ بَيْتِهِ) فَلَمْ يَنصَرِفْ حَتَّى غَلَبَتْني عَيْني وَأَوْجَعَهُ الْبَرْدُ، فَقَالَ: ادْني مِني، فَقُلْتُ: إِني حَائِضٌ، فَقَالَ: وَإِنْ، اكْشِفِي عَن فَخِذَيْكِ، فَكَشَفْتُ فَخِذَيَّ فَوَضَعَ خَدَّهُ وَصَدْرَهُ عَلَى فَخِذِي، وَحَنيْتُ عَلَيْهِ حَتَّى دَفِئَ وَنامَ»([1]).
ذكر الشيعة هذه الرواية تشنيعًا على أم المؤمنين، وأنها تذكر أمور الحيض وأمورًا لا ينبغي ذكرها.
([1]) سنن أبي داود (1/70).
الرد علي الشبهة:
أولًا: فساد الدليل يُفسد المدلول، مع عدم وجود مخالفة في الخبر.
الرواية ضعيفة ولا تصح؛ لعدة علل، قال الشيخ الألباني: «قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ عبد الرحمن بن زياد: هو ابن أنعم الإفريقي، ضعيف من قبل حفظه، وشيخه عمارة بن غراب؛ قال أحمد: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: يُعْتبرُ حديثه من غير رواية الإفريقي عنه، وعمة ابن غراب لم أعرفها، ولم يوردها الحافظ في (فصل بيان المبهمات من النسوة على ترتيب من روى عنهن رجالًا ونساءً)! فهي مجهولة»([1]).
وأما متن الرواية فليس فيه مخالفة شرعية، بل فيه بيان حسن عشرة النبي ق مع أهله، ومخالفة لليهود الذين يعتبرون المرأة نجسة حال حيضها، وفيه بيان حسن عشرتها ل مع زوجها رسول الله ق... على أن الرواية -كما قلنا- لا تصح.
ثانيًا: إن كان هذا مستبشعًا في حق زوجته، فقد رووا ما هو أبشع في حق ابنته.
فقد جاء في كتب الرافضة أن النبي ق كان لا ينام حتى يقبل ما بين ثدي فاطمة ل.
قال ابن شهر آشوب: «عن الباقر والصادق R، أنه كان -صلى الله عليه وآله- لا ينام حتى يُقَّبلَ عرض وجه فاطمة، ويضع وجهه بين ثديي فاطمة ويدعو لها، وفي رواية: حتى يقبل عرض وجنة فاطمة أو بين ثدييها»([2]).
وقال التبريزي عن السيدة فاطمة ل: «وهي أم الأئمة النقباء النجباء، وأنجب الورى من بين النساء، ساطعًا عطر الجنة ورائحتها من بين ثدييها، ورسول الله -صلى الله عليه وآله- كان يمس وجهه لما بين ثدييها كل يوم وليلة يشمها ويلتذ من اشتمامها؛ ولذا كانت تسمى ريحانة نفس النبي -صلى الله عليه وآله- ومهجتها وبهجتها»([3]).
ثالثًا: إن كانت عائشة مُلامة لروايتها ما لا يصح روايته؛ فالمعصوم أولى باللوم.
جاء في تهذيب الأحكام رواية فيها تفاصيل غسل النبي ق مع أزواجه، عن أبي جعفر وأبي عبد الله R قالا: «توضأ رسول الله ق بمُدٍّ واغتسل بصاعٍ، ثم قال: اغتسل هو وزوجته بخمسة أمداد من إناء واحد، قال زرارة: فقلت له: كيف صنع هو؟ قال: بدأ هو فضرب بيده بالماء قبلها وأنقى فرجه، ثم ضربت فانقت فرجها، ثم أفاض هو وأفاضت هي على نفسها حتى فرغا، فكان الذي اغتسل به رسول الله -صلى الله عليه وآله- ثلاثة أمداد، والذي اغتسلت به مدين، وإنما أجزأ عنهما لأنهما اشتركا جميعًا، ومن انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع»([4]).
وقال البحراني: «ويدل عليه الأخبار المتضمنة لاغتساله -صلى الله عليه وآله- مع عائشة من إناء واحد، ومنها صحيحة زرارة، وفيها: فضرب بيده في الماء قبلها فأنقى فرجه، ثم ضربت هي فأنقت فرجها، ثم أفاض هو وأفاضت هي على نفسها حتى فرغا»([5]).
وقد وصف الباقر شعر أم سلمة ل كما في من بحار الأنوار عن أبي جعفر قال: «مات الوليد بن المغيرة فقالت أمُّ سلمة للنبي: إن آل المغيرة قد أقاموا مناحة فأذهب إليهم؟ فأذن لها، فلبست ثيابها وتهيَّأت وكانت من حسنها كأنها جان، وكانت إذا قامت فأرخت شعرها جلَّل جسدها، وعقد بطرفيه خلخالها»([6]).
كما جاء تصوير الليلة التي حملت فيها خديجة بفاطمة، فجاء فيها تفاصيل ومقدمات المداعبة التي حصلت بين النبي وخديجة!
ففي كتاب «العدد القوية»: «... ودخل النبي المنزل، وكان من أخلاقه
-صلى الله عليه وآله- إذا دخل المنزل دعا بالإناء فتطهر للصلاة، ثم يقوم فيصلي ركعتين يؤجر فيهما ثم يأوي إلى فراشه، فلما كان في تلك الليلة لم يدع بالإناء، ولم يتأهب بالصلاة، غير أنه أخذ بعضدي وأقعدني على فراشه وداعبني ومازحني، وكان بيني وبينه ما يكون بين المرأة وبعلها»([7]).
فأين هذا مما ورد في الرواية التي أثبتنا ضعفها؟
³
([1]) ضعيف أبي داود (1/114).
قال النسائي: «عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم الإفْرِيقِي ضَعِيف». الضعفاء والمتروكون (ص66).
وقال ابن حبان: «كَان يَرْوِي الموضوعات عَن الثِّقَات، وَيَأْتِي عَن الْأَثْبَات مَا لَيْسَ من أَحَادِيثهم، وَكَان يُدَلس على مُحَمَّد بن سعيد بن أبي قيس المصلوب... كَان يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَن لَا يحدثان عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم، سَمِعت مُحَمَّد ابن مُحَمَّد يَقُول: سَمِعت الدَّارِمِيَّ يَقُولُ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْن معِين عَن الإفْرِيقِي، فَقَالَ: ضَعِيف». المجروحين 2/50 - 51
وقال ابن حجر: «ضعيف في حفظه». تقريب التهذيب (ص340).
وأما عمارة بن غراب فقد قال ابن الجوزي: «عمَارَة بن غراب قَالَ أَحْمد بن حَنبَل: لَيْسَ بِشَيْء». الضعفاء والمتروكون (2/204)، وقال الذهبي: «عمَارَة بن غراب شيخ لعبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم، قَالَ أَحْمد: لَيْسَ بِشَيْء» المغني في الضعفاء (2/461)، وقال الحافظ: «تابعي مجهول، غلط من عده صحابيًّا». تقريب التهذيب (ص409).
([2]) مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب (3/114).
([3]) اللمعة البيضاء، محمد علي بن أحمد التبريزي (ص234 – 235).
([4]) تهذيب الأحكام، الطوسي (1/370).
([5]) الحدائق الناضرة، البحراني (1/446).
([6]) بحار الأنوار (١/٣٥٢).
([7]) العدد القوية، علي بن يوسف الحلي (ص222).