أولًا: عدم ثبوت الخبر
` هذا الحديث رواه أبو عمر بن حيويه في «الثالث من مشيخته» فقال: «أَخْبَرَنا أَبُو اللَّيْثِ نصْرُ بْن الْقَاسِمِ بْن نصْرٍ الْفَرَائِضِيُّ، ثَنا مُحَمَّدُ بْن إِسْمَاعِيلَ الْخُشُوعِيُّ سَنةَ أَرْبَعِين وَمِائَتَيْن، ثَنا يَعْقُوبُ بْن إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، ثَنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْن سَعِيدٍ الْعَنبَرِيُّ، حَدَّثَتْني عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنين أَنهُ كَان بَيْنهَا وَبَيْن رَسُولِ اللهِ ق كَلامٌ، فَقَالَ لَهَا: «مَن تَرْضَيْن بَيْني وَبَيْنكِ؟ أَتَرْضَيْن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ؟» قَالَتْ: لا أَرْضَاهُ؛ عُمَرُ غَلِيظٌ، فَقَالَ: «أَتَرْضَيْن بِأَبِيكِ بَيْني وَبَيْنكِ؟» قَالَتْ: نعَمْ.
قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ق فَجَاءَ، فَقَالَ: «وَإِن هَذِهِ مِن أَمْرِهَا كَذَا، وَمِن أَمْرِهَا كَذَا». قَالَتْ: قُلْتُ: اتَّقِ اللهَ، وَلا تَقُلْ إِلا حَقًّا. قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَرَثَمَ بِهِ أَنفَهَا وَقَالَ: أَنتِ لَا أُمَّ لَكِ يَا ابْنةَ أُمِّ رُومَان تَقُولِين الْحَقَّ وَأَبُوكِ وَلَا يَقُولُهُ رَسُولُ اللهِ ق؟! قَالَتْ: فَابْتَدَرَتْ مِنخَرَاهَا كَأَنهَا غَزْلا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ق: «الْبَيْتَ».
وَجَعَلَ يَضْرِبُهَا بِهَا، فَقَامَتْ هَارِبَةً مِنهُ، فَلَزِقَتْ بِظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ق، قَالَتْ: حَتَّى قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ق: «أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ، لَمَّا خَرَجْتَ، فَإِنا لَمْ ندْعُكَ لِهَذَا»، فَلَمَّا خَرَجَ قَامَتْ فَتَنحَّتْ عَن رَسُولِ اللهِ ق، فَقَالَ لَهَا: «ادْن مِني»، فَأَبَتْ أَن تَفْعَلَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ق، فَقَالَ لَهَا: «لَقَدْ كُنتِ قَبْلَ هَذَا شَدِيدَةَ اللُّزُوقِ بِظَهْرِي»([1]).
7 قلت: منقطع، وفيه جهالة.
- مُحَمَّدُ بْن إِسْمَاعِيلَ الْخُشُوعِيُّ: لم أجِدْ له ترجمة.
- عَبْدُ الْوَارِثِ بْن سَعِيدٍ الْعَنبَرِيُّ: من أتباع التابعين، متوفى عام 180هـ، فلم يدرك أحدًا من الصحابة، ولا يمكن أن يسمع عائشة ل، فهذا الإسناد مرسل.
وهناك طريق أخرى لهذا الحديث:
قال ابن أبي الدنيا: «حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْن جَرِيرٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْن عَمْرٍو، حَدَّثَنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْن سَعِيدٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن الزُّبَيْرِ، عَن عُمَرَ بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: كَان بَيْن النبِيِّ ق وَبَيْن عَائِشَةَ بَعْضُ عِتَابٍ… إلخ»([2]).
7 قلت: منكر
- محمد بن الزبير الحنظل: قال أبو حاتم: ليس بالقوي، في حديثه إنكار. وقال البخاري: منكر الحديث، وفيه نظر([3]). وقال ابن حجر: متروك([4]).
- الانقطاع: عمر بن عبد العزيز لم يدرك عائشة ل.
ثانيًا: عدم ثبوت اللفظ في الطرق الصحاح:
` الصحيح في سياق هذه القصة، ما رواه أحمد في مسنده عَن النعْمَان بْن بَشِيرٍ قَالَ: «جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِن عَلَى النبِيِّ ق، فَسَمِعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ق فَأَذِن لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: يَا ابْنةَ أُمِّ رُومَان وَتَناوَلَهَا، أَتَرْفَعِين صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ق؟! قَالَ: فَحَالَ النبِيُّ ق بَيْنهُ وَبَيْنها، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلَ النبِيُّ ق يَقُولُ لَهَا يَتَرَضَّاهَا: «أَلَا تَرَيْن أَني قَدْ حُلْتُ بَيْن الرَّجُلِ وَبَيْنكِ؟»، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَن عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا، قَالَ: فَأَذِن لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ ق، أَشْرِكَاني فِي سِلْمِكُمَا، كَمَا أَشْرَكْتُمَاني فِي حَرْبِكُمَا»([5]).وهذه الرواية الصحيحة ليس فيها هذه اللفظة المنكرة عن عائشة ل.
ثالثًا: لو صحت الرواية، وكانت مطعنًا في عائشة ل؛ لأنها طلبت من النبيّ ق أن يقول الحق، فهل سيكيلون لأم المؤمنين زينب ل بالمكيال نفسه الذي كالوا به لعائشة؟! فقد رووا أنها اتهمت النبيَّ ق بعدم العدل.
روى الكليني بسنده عن أبي بصير، عن أبي جعفر S قال: «إن زينب بنت جحش قالت لرسول الله ق: لا تعدل وأنت نبي؟! فقال: تربت يداك، إذا لم أعدل فمن يعدل؟! فقالت: دعوت الله يا رسول الله ق ليقطع يدي؟ فقال: لا، ولكن لتتربان، فقالت: إنكَ إن طلقتنا وجدنا في قومنا أكفاءنا، فاحتبس الوحي عن رسول الله ق تسعًا وعشرين ليلة، ثم قال أبو جعفر S: فأنفَ الله D لرسوله ق، فأنزل: [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ] {الأحزاب:28} الآيتين، فاخترن الله ورسوله، فلم يَكُ شيئًا، ولو اخترن أنفسهن لَبِن»([6]).
فهل ستحكم الرافضة بالكفر على زينب بنت جحش ل زوج رسول الله ق؟ وخاصة أنهم يسلمون أن النبيّ ق تزوجها بوحي من الله تعالى([7])، أم أنهم سيلتمسون لها كل المعاذير، ويحتجون لها بكل الحجج؛ ليخرجوا من هذا المأزق؟!
³
([1]) الثالث من مشيخة ابن حيويه (ص16).
([2]) النفقة على العيال، ابن أبي الدنيا (2/760).
([3]) السنن الكبرى (10/71).
([4]) تقريب التهذيب (2/76).
([5]) مسند أحمد (30/342) وصححه محققو المسند، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (6/944).
([6]) الكافي، الكليني (6/139)، ووثقه المجلسي في المرآة (21/232).
([7]) قال فوزي آل سيف: «نعم، لو ثبت بدليل معتبر أن النبي ق قد أمره الله -من خلال الوحي- بأن يتزوج امرأة أو يتركها، لجهة من الجهات (كما حصل بالنسبة لزينب بنت جحش في قضية زيد بن حارثة)، نقبله ونسلم به، لكن هذا هو الاستثناء، وليس الأصل». أعلام من الأسرة النبوية، فوزي آل سيف (ص293).