قال الخطابي: «قولُ عائشةَ ل: «كان رسولُ اللهِ ق أَمْلَكَكُم لأَرَبِهِ» أكثرُ الرواةِ يقولون: لإِرْبِهِ. والإرْبُ: العُضْو، وإنما هو لأرَبَه، مفتوحة الألف والراء، وهو الوَطَرُ وحاجةُ النفْسِ، وقد يكون الإرْبُ الحاجةَ أيضًا، والأَوَّلُ أَبْيَن»([1]).
إذًا فاللفظة يمكن حملها على الوجهين، وبالكسر هو قول الأكثرية، ومعناه: الحاجة؛ وكذلك الأَرب (بالفتح) يأتي بمعنى الحاجة، وهي كناية عن قضاء الوطَر.
قال الزبيدي: «في حديث عائشةَ ل: «كَان رسولُ الله ق أَمْلَكَكُمْ لِأَرَبِهِ» أَيْ: لِحَاجَتِه، تَعْني أَنهُ ق كَان أَغْلَبَكُمْ لِهَوَاهُ وحَاجَتِه، أَيْ كَان يَمْلِكُ نفْسَه وهَوَاهُ»([2]).
وقَالَ أَبُو عبيدٍ: «كَلَامُ الْعَرَب «لأَرَبه» بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الْحَاجة، وَالْمعْنى: أَنه كَان يغلب هَوَاهُ»([3]).
وقد أقر علماء الشيعة أن الإربة والأربة على الوجهين تعني الرغبة أو الحاجة، وفي هذا الموافقة لمعنى الإربة عند أهل السنة والجماعة التي تعني هوى الرجل إلى النساء أو حاجته فيهن، فقال المحقق البحراني: «العاشر [في بيان معنى: [ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ]]: قد دلت الآية على استثناء [ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ] من تحريم النظر إلى الأجنبية، فيجوز لهم النظر حينئذ...
قيل: إنه الشيخ الهرم لذهاب إربه، عن يزيد بن أبي حبيب...
7 أقول: والذي وقفت عليه في أخبارنا ما رواه في «الكافي» عن زرارة في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر S عن قول الله D: «[ﮏ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ] - إلى آخر الآية» فقال: الأحمق الذي لا يأتي النساء».
قال في كتاب (الوافي): الإربة: العقل وجودَة الرأي.
7 أقول: لم أقف على هذا المعنى الذي ذكره في مستند لغوي أو غيره، والموجود في كلام أهل اللغة إنما هو تفسير الإربة بالحاجة، وهو الذي فسر به في كتاب (مجمع البيان).
قال الفيومي في (المصباح المنير): الأَرَب بفتحتين، والإِرْبة بالكسر، والمأربة بفتح الراء وضمها: الحاجة، والجمع: المآرب، والأرب في الأصل مصدر من باب تعب، يقال: أرب الرجل إلى الشيء، إذا احتاج إليه، فهو آرب على فاعل»([4]).
قول الرافضي: كيف عرَفَتْ أم المؤمنين أن النبي ق أملك الناس لإربه؟!
7 فالجواب من أسهل ما يكون؛ لأن القطع بعصمته موجب للقطع بأنه ق أملك الناس لنفسه، وأبعدهم عن الوقوع في الحرام.
وإلا فلو سألناك يا أيها الرافضي: هل النبي ق أملك الناس لنفسه وشهواته؟
فإن قلت: لا؛ فقد فَضَّلت غير النبي ق عليه، وهذا ممتنع.
وإن قلت: لا أدري؛ فقد جهلت العصمة، وساويت بين الفاضل والمفضول.
ولو سألناك: هل علي بن أبي طالب أشد أهل زمانه عفة؟
فإن قلتَ: نعم؛ فقد يأتي أحدهم ليقول لك: فهل جربت عفة الناس جميعًا حتى تحكم على عفة علي بن أبي طالب ا وأنه أعَف الناس بعد رسول الله ق؟ فما كان جوابًا لك كان جوابًا لنا.
قول الرافضي: معنى الحديث: باقي الناس لا يملكون إربهم، وهذا يُفهم من قولها: «أملككم لإربه».
فهذا من الجهل المدقع باللغة؛ لأن أفعل التفضيل لا تعني سلب الصفة عن المفضول، ولا يخلو المفضل عليه من مشاركة المفضل في المعنى في الغالب، كقولك: (خالد أفضل من عباس) فإن في كليهما فضلًا، غير أن خالدًا يزيد فضله على فضل عباس، ومثله قولك: (سيبويه أنحى من الكسائي) «فالكسائي مشارك لسيبويه في النحو، وإن كان سيبويه قد زاد عليه فيه»([5]).
الفائدة من قول أم المؤمنين عائشة ل: «وكان أملككم لإربه» هي: ذكر العلة التي يدور عليها الحكم، من جواز المباشرة للصائم وعدمها، وقد قال الشيعة بنفس الحكم أخذًا من هذه العلة وغيرها.
قال الروحاني في (فقه الصادق): «وخبره الآخر عنه S والمباشرة ليس بها بأس ولا قضاء يومه، ولا ينبغي له أن يتعرض لرمضان. أي: لا يحرم المباشرة، ولكنها مكروهة لحرمة رمضان.
والدليل الثاني: في صحيح الحلبي عن الإمام الصادق S: عن الرجل يمس من المرأة شيئًا، أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال S: إن ذلك ليُكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني.
وفي صحيح منصور بن حازم عنه S قال: قلت له: ما تقول في الصائم يقبل الجارية والمرأة؟ فقال S: أما الشيخ الكبير مثلي ومثلك فلا بأس، وأما الشاب الشبِقُ فلا؛ لأنه لا يؤمن، والقُبلة إحدى الشهوتين. الحديث.
وفي صحيح عبد الله بن سنان: روى عن أبي عبد الله S رخصة للشيخ في المباشرة.
والدليل الثالث: صحيح زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر S: عن الصائم هل يباشر أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال S: إني أخاف عليه، فليتنزه من ذلك إلا أن يثق ألا يسبقه منيه؛ لأن ذا الشهوة لا يكون واثقًا وغيره واثق البتة، ولعل التعليل في صحيح منصور يدل على ذلك بقرينة قوله S: والقبلة إحدى الشهوتين... إلى غير ذلك من النصوص.
والنهي في الطائفتين الأخريين محمول على الكراهة للإجماع، ولخبر أبي بصير عن أبي عبد الله S: عن الرجل يضع يده على جسد امرأته وهو صائم فقال S: لا بأس وإن أمذى... الحديث، فإن الإمذاء إنما يترتب مع تحرك الشهوة، ولما في النصوص من القرائن الأخرى»([6]).
وفي (روضة المتقين): «وفي الموثق كالصحيح عن محمد بن مسلم وزرارة، عن أبي جعفر S أنه سئل: هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال: إني أخاف عليه، فليتنزه عن ذلك إلا أن يثق ألا يسبقه منيه»([7]).
وقال الحلي: «أما من يملك إربه كالشيخ الكبير، فالأقرب انتفاء الكراهة في حقه»([8]).
وقال أيضًا: «وتكره القبلة للشاب الذي تُحرك القُبلة شهوته، ولا تكره لمن يملك إربه؛ لأن النبي ق كان يقبل وهو صائم، وكان أملك الناس لإربه»([9]).
³
([1]) إصلاح غلط المحدثين، الخطابي (ص24).
([2]) تاج العروس من جواهر القاموس، المرتضى الزبيدي (1/298).
([3]) غريب الحديث، ابن الجوزي (1/17).
([4]) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، يوسف البحراني (23/77).
([5]) معاني النحو (4/311).
([6]) فقه الصادق، الروحاني (8/192).
([7]) روضة المتقين، المجلسي (3/312).
([8]) تذكرة الفقهاء، الحلي (6/92).
([9]) تذكرة الفقهاء، الحلي (6/25).