أولًا: ضعف الرواية بلفظ «أخذكِ شيطانكِ يا عائشةُ»([1]).
قال الحافظ عن هذه الرواية: «من رواية فرج بن فضالة -وهو ضعيف- عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، وقد رواه جعفر بن عون، ووهيب، ويزيد بن هارون، وغير واحد عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عائشة، ومحمد لم يسمع من عائشة، قاله أبو حاتم»([2]).
وقال ابن الملقن: «وَهُوَ مُنقَطع؛ لِأَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم لم يدْرك عَائِشَة، كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» وَسَماهُ مُرْسلًا، وَصرح (بِهِ) أَبُو حَاتِم بِأَنهُ لم يسمع مِنهَا»([3]).
ثانيًا: كذب نجاح الطائي.
قول نجاح الطائي: «ووصف النبي ق عائشة بالشيطان وجندي الشيطان»([4])، فهذا من الكذب الصُّراح الذي يؤول إلى الطعن بالنبي ق نفسه؛ إذ كيف يرضى ق أن يتزوج شيطانا أو أن يعاشر شيطانا؟!
وحاشاه ق وحاشاها ل، ولو التزم الرافضي المفتري بذلك لوجب أن يوصف بالشيطان كل من وسوس له الشيطان بشيء، وهذا لا يسلم منه المفتري ولا غيره، بل إن الله تعالى قال عن آدم: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ] {طه:120-122}.
فهل بعدما وسوس الشيطان لآدم واتبعه آدم في وسوسته صار آدم شيطانًا؟!
وإذا كان مجرد مجيء الشيطان لإنسان -كما في الرواية: «أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانكِ»- يوجب وصفه بأنه شيطان، لوجب وصف الأنبياء بأنهم عياذًا بالله شياطين؛ لأن الشيطان كان يتمثل لهم ويأتيهم، كما في قصة رمي الجمار، وقد ذكرها الصدوق في العلل([5])، وكذلك الأئمة فقد جاء في كتاب كشف الغمة([6]) أن زين العابدين جاءه الشيطان في صلاته، فهل تسمون زين العابدين شيطانًا؟ عياذًا بالله.
هذا منطق أحمق يَؤُول بالطعن في جميع بني آدم وأنهم كلهم شياطين.
ثالثًا: كل إنسان معه شيطان باعتراف الشيعة
أثبتت الرواية أن كل إنسان معه شيطان، وهذا ثابت حتى في كتاب الله، قال تعالى: [ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ] {ق:23}، فالقرين هو الذي لا يفارق الإنسان، وقد فسر الشيعة القرين هنا بأنه الشيطان:
قال صاحب (تفسير الصافي): «[ﯚ ﯛ] أي: الشيطان المقيض له»([7])، وعن أبي عبد الله S قال: «ما من قلب إلا وله أذنان، على إحداهما ملك مرشد وعلى الأخرى شيطان»([8]) فلكل إنسان شيطان، فعلام يلام المرء على شيء شاركه فيه جميع بني آدم بتقدير الله عليه؟!
رابعًا: غيرة المرأة على زوجها منقبة ممدوحة
الغَيرة من أم المؤمنين على رسول الله ق لا شك أنها من أعظم مناقبها ل؛ لأن الغيرة من أصدق دلائل المحبة، بل هي دليل على سلامة فطرة المرأة مع محبتها الشديدة لمن تغار عليه، وكما قال ابن القيم: «فشاهد المحبة الذي لا يكذب هو شاهد الحال، وأما شاهد المقال فصادق وكاذب»([9]).
خامسًا: إذا كانت غيرة عائشة مذمومة فكذلك فاطمة
ورغم ذم الرافضة لتلك الغيرة في بعض الروايات فقد وجدناهم يمدحونها في المرأة، وذكروا أن فاطمة كانت تدخلها الغيرة لدرجة أن تغاضب عليًّا وتترك له البيت.
فقد أخرج الصدوق في علل الشرائع بسنده عَن عَمْرِو بْن أَبِي الْمِقْدَامِ وزِيَادِ بْن عَبْدِ اللهِ قَالَا: «أَتَى رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللهِ S فَقَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، هَلْ تُشَيَّعُ الْجَنازَةُ بِنارٍ ويُمْشَى مَعَهَا بِمِجْمَرَةٍ أَوْ قِندِيلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُضَاءُ بِهِ؟ قَالَ: فَتَغَيَّرَ لَوْن أَبِي عَبْدِ اللهِ S مِن ذَلِكَ وَاسْتَوَى جَالِسًا ثُمَّ قَالَ: إِنهُ جَاءَ شَقِيٌّ مِن الْأَشْقِيَاءِ إِلَى فَاطِمَةَ بِنتِ رَسُولِ اللهِ ق فَقَالَ لَهَا: أَمَا عَلِمْتِ أَن عَلِيًّا قَدْ خَطَبَ بِنتَ أَبِي جَهْلٍ؟ فَقَالَتْ: حَقًّا مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: حَقًّا مَا أَقُولُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَدَخَلَهَا مِن الْغَيْرَةِ مَا لَا تَمْلِكُ نفْسَهَا، وَذَلِكَ أَن اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالى- كَتَبَ عَلَى النسَاءِ غَيْرَةً، وَكَتَبَ عَلَى الرِّجَالِ جِهَادًا، وَجَعَلَ لِلْمُحْتَسِبَةِ الصَّابِرَةِ مِنهُن مِن الْأَجْرِ مَا جَعَلَ لِلْمُرَابِطِ الْمُهَاجِرِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
قَالَ: فَاشْتَدَّ غَمُّ فَاطِمَةَ مِن ذَلِكَ، وَبَقِيَتْ مُتَفَكِّرَةً هِيَ حَتَّى أَمْسَتْ وَجَاءَ اللَّيْلُ حَمَلَتِ الْحَسَن عَلَى عَاتِقِهَا الْأَيْمَن وَالْحُسَيْن عَلَى عَاتِقِهَا الْأَيْسَرِ، وَأَخَذَتْ بِيَدِ أُمِّ كُلْثُومٍ الْيُسْرَى بِيَدِهَا الْيُمْنى ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إِلَى حُجْرَةِ أَبِيهَا، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَدَخَلَ حُجْرَتَهُ فَلَمْ يَرَ فَاطِمَةَ، فَاشْتَدَّ لِذَلِكَ غَمُّهُ وعَظُمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْقِصَّةَ مَا هِيَ، فَاسْتَحَى أَن يَدْعُوَهَا مِن مَنزِلِ أَبِيهَا...»([10]).
وقد أقر الرافضة بذلك وبرروا فعل فاطمة وغيرتها بأنه أمر جِبِلّي في المرأة، وليس هذا دليلًا على أن ابنة أبي جهل كانت أجمل من فاطمة!
قال التبريزي مبررًا فعل فاطمة: «إن وقوع الواقعة على ما نقل لا يقدح أيضًا بأحد الطرفين، أما علِي S فلأن هذا أمر مباح أباحته الشريعة وإن كتب الغيرة على الزوجة أيضًا، فللرجل أن يتزوج على المرأة، وللمرأة أن تأخذها الغيرة.
وأما فاطمة P فأولًا: بأن الغيرة من الصفات الفاضلة، وكان النبي -صلى الله عليه وآله- يتمدح بها ويقول: «إِن سعدًا لغيور، وأنا أَغْيَرُ مِن سعد».
والتمدح بالغيورية ونفس صفة الغيورية من الأمور المباحة، وإلا فلا يتمدح النبي بالأمور المحرمة على الصحابة، فلعله لاحظ النبي -صلى الله عليه وآله- وفاطمة ما في ذلك من كون فاطمة ضرة لغيرها أو غيرها ضرة لها، فيحصل لها تحمل المشقة حينئذٍ فأخذتهما الغيرة، وقد صدر من بنات الأنبياء ما هو أشد من ذلك، فإن سارة ألزمت إبراهيم S أن يخرج عنها هاجر وابنها إسماعيل إلى وادٍ غير ذي زرعٍ، ولا ينزل معهما بل يضعهما فيه وهو راكب ويرجع إليها، وقد أمر الله إبراهيم أن يمتثل أمر سارة»([11]).
ولأجلِ هذه الغَيرة التي لا تكون إلا لتؤذي المرأة بوجود امرأة غيرها مع زوجها، أيمَّا كان شكل هذه المرأة فلا يهمها ألا تشاركها غيرها في قلب زوجها، لأجل ذلك روى الرافضة تحريم الجمع بين الاثنين من أولاد فاطمةَ وعدُّوهُ من خصائصها!
سادسًا: تسلط الشيطان على الأنبياء والأئمة والمعصومين والمؤمنين في كتب الشيعة
جاء في كتب الشيعة تسلط الشيطان على الأنبياء والأئمة في تفسير قوله تعالى: [ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ] {المجادلة:10} في رواية طويلة آخرها: «فنزل عليه جبرائيل S فقال: يا محمد، هذا شيطان يقال له: (الرهاط)، وهو الذي أرى فاطمة هذه الرؤيا ويؤذي المؤمنين في نومهم»([12]).
بل حتى جعفر الصادق ا وسوس له الشيطان، فقد رُوِيَ عن حماد بن عثمان قال: «كنت عند أبي عبد الله S فكلمه شيخ من أهل العراق فقال له: مالي أرى كلامك متغيرًا؟ فقال له: سقطت مقاديم فَمِي فنقص كلامي، فقال له أبو عبد الله S: وأنا أيضًا قد سقط بعض أسناني، حتى إنه ليوسوس إليَّ الشيطان فيقول لي: إذا ذهبت البقية فبأي شيء تأكل؟ فأقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! ثم قال لي: عليكَ بالثريد؛ فإنه صالح، واجتنب السمن؛ فإنه لا يلائم الشيخ»([13]).
وفي (علل الشرائع) للصدوق وغيره عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضا S: «يا بن رسول الله، أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء، ما كانت؟...فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهى عنها، وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة P بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم S، فأخرجهما الله D عن جنته فأهبطهما عن جواره إلى الأرض»([14]).
وقال الصدوق: «وكان علي بن الحسين S يقول في سجوده: اللهم إن كنت قد عصيتك فإني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك، وهو الإيمان بك، منا منك علي لا منا مني عليك، وتركت معصيتَك في أبغض الأشياء إليك، وهو أن أدعو لك ولدًا أو أدعو لك شريكًا، منا منك علي لا منا مني عليك، وعصيتُك في أشياءَ على غير وجه مكابرةٍ ولا معاندةٍ، ولا استكبارٍ عن عبادتك، ولا جحودٍ لربوبيتك، ولكن اتبعت هوايَ واستزلني الشيطان بعد الحجة عليَّ والبيان، فإن تعذبني فبذنوبي غيرَ ظالم لي، وإن تغفر لي وترحمني فبجودك وبكرمك يا أرحم الراحمين»([15]).
فهؤلاء الأنبياء والأئمة تسلط عليهم الشيطان، فهل يجرؤ الشيعي أن يقول فيهم ما قاله في أم المؤمنين؟!
³
([1]) أخرجها الطبراني في المعجم الأوسط (3627)، والدارقطني (1/144).
([2]) التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز، المشهور بالتلخيص الحبير (1/324).
([3]) البدر المنير (2/449)، وضعفه الشوكاني في نيل الأوطار (1/247)، والذهبي في المهذب (2/563) وقال: «هذا اللفظ ضعيف».
([4]) أزواج النبي وبناته، نجاح الطائي (ص102).
([5]) علل الشرائع، الصدوق (2/437).
([6]) لابن أبي الفتح الإربلي (2/286).
([7]) التفسير الصافي، الفيض الكاشاني (5/62)، وفي الكافي (2/266).
([8]) قال المجلسي في المرآة (9/377): «حسن كالصحيح».
([9]) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص314).
([10]) علل الشرائع، الصدوق (1/185).
([11]) اللمعة البيضاء، التبريزي الأنصاري (ص143- 144).
([12]) تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي (2/355 - 356).
([13]) الكافي، الكليني (6/335)، وقال المجلسي في المرآة (22/166): «صحيح».
([14]) عيون أخبار الرضا، الصدوق (2/274 – 275)، ومعاني الأخبار، الصدوق (124 – 125)، والأنوار النعمانية، نعمة الله الجزائري (1/178–179).
([15]) من لا يحضره الفقيه، الصدوق (1/333).