ضَرْبُ النبيِّ صلي الله عليه وسلم عائشةَ رضي الله عنها

الشبهة:

قال محسن الخيَّاطُ: «حبيبةُ القلبِ (ابنة أبي بكر) يوجِعُها رسول الله ص ضربًا في صدرها!»([1]).

` ثم أورد حديث الإمام مسلم عن عائشة ل: «لَمَّا كَانتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَان النبِيُّ ق فيها عِندِي، انقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نعْلَيْه، فَوَضَعَهُمَا عِندَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَن أَن قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انحَرَفَ فَانحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ -أي ركض- فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَن اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا عَائِشُ، حَشْيَا رَابِيَةً؟» (الحشا: التهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه بسبب ارتفاع النفس، رابية: مرتفعة البطن) قَالَتْ: قُلْتُ: لا شَيْءَ. قَالَ: «لَتُخْبِرِيني أَوْ لَيُخْبِرَني اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ». قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: «فَأَنتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟» قُلْتُ: نعَمْ. فَلَهَدَني فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْني، ثُمَّ قَال: «أَظَننتِ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟» -أي: هل ظننت أني أظلمك بالذهاب إلى زوجة أخرى في ليلتك- قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ الناسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، نعَمْ، قَالَ: «فَإِن جِبْرِيلَ أَتَاني حِين رَأَيْتِ، فَنادَاني، فَأَخْفَاهُ مِنكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنكِ، وَلَمْ يَكُن يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَننتُ أَن قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَن أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَن تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِن رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَن تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ». قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُولِي: السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِن الْمُؤْمِنين وَالْمُسْلِمِين، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِين مِنا وَالْمُسْتَأْخِرِين، وَإِنا إِن شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلاحِقُون»»([2]).


([1]) الإفصاح عن المتواري من أحاديث المسانيد والسنن والصحاح، محسن الخياط (2/58).

([2]) صحيح مسلم (2/669).

الرد علي الشبهة:

أولًا: معنى اللهد: الغمز

قول عائشة ل: «فَلَهَدَني فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْني» يدل على الفعل الذي صدر منه ق، وهو مجرد «اللهد» الذي هو الدفع في الصدر، أو اللكز، وهو لا يرقى أن يكون في درجة الضرب الحقيقي الذي يراد به الإيجاع والتحقير، وذكر علماء اللغة أن من معاني «اللهد»: الغمز([1])، وفي (تاج العروس) من معاني «اللهد»: الضغط([2]).

وهذا يدل على أنه ق لم يضربها بالمعنى الذي يريده الطاعنون، وإنما غمزها أو دفعها في صدرها دفعة وجدت بسببها وجعًا، ولكنه وجع يسير غير مقصود، بل المقصود التنبيه والتعليم.

ثانيًا: المناقب والممدوحات لأم المؤمنين في هذا الخبر

مما يدل على أن هذه «اللهدة» لم تكن على سبيل الضرب والإيجاع، وإنما على سبيل التعليم والتنبيه، استكمالُ الحوارِ بين النبي ق وبين عائشة ا؛ حيث اعتذر إليها ببيان سبب خروجه من المنزل تلك الساعة المتأخرة، فجاء في الخبر قول النبي ق لها: «فَإِن جِبْرِيلَ أَتَاني حِين رَأَيْتِ، فَنادَاني، فَأَخْفَاهُ مِنكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنكِ، وَلَمْ يَكُن يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَننتُ أَن قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَن أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَن تَسْتَوْحِشِي».

فكره أن يوقظها فيزعجها عن منامها، وكره أيضًا أن تستيقظ فتستوحش وتقلق وتخاف من فقدانها لزوجها الذي كان بجانبها، فأي رحمة وشفقة أعظم من هذه؟! أليس هذا فعل المحب؟!

فلو كانت هذه «اللهدةُ» ضربةً حقيقيةً عنيفةً؛ لكانت عائشة ل بكت كما تبكي النساء الحديثات السن، ولأظهرت ألمها واعتراضها على النبي ق، ولكنها لم تفعل ذلك، بل بادرت إلى استكمال الحوار مع النبي ق، وملاطفته بالسؤال المؤدب عن الذكر المستحب عند زيارة القبور، فدل ذلك على أن «اللهدة» لم تكن إلا على سبيل التنبيه والتعليم.

ثالثًا: ضرب الزوجة في نفسه غير ممتنع في الشرع، ولا في دين الإمامية

ضربُ الزوجِ زوجتَهُ ضربًا يسيرًا من غير إهانة ولا تحقير، مع وجود الداعي إليه أمر جائز، قال تعالى: [ ] {النساء:34}.،

وهذا جائز أيضًا في دين الإمامية:

 قال الحلي: «وأمَّا الضرب فهو أن يضربها ضربَ تأديب، كما يُضرب الصبيان على التأديب، ولا يضربها ضربًا مبرحًا، ولا مدميًا، ولا مزمنًا، وروي في بعض أخبارنا: أنه يضربها بالسواك، وذلك على جهة الاستحباب، وإلا له أن يضربها بالسوط ضرب أدب؛ لأن ظاهر الآية يقتضي ذلك.

قال شيخنا في مبسوطه: وروى بعض الصحابة قال: كنا معاشر قريش يغلب رجالُنا نساءنا، فقدمنا المدينة فكانت نساؤهم تغلب رجالهم، فاختلطت نساؤنا بنسائهم، فَذَئِرْن على أزواجهن، فقلت: يا رسول الله، ذَئِرَ النساء على أزواجهن، فرخِّص في ضربهن»([3]).

وقال المنتظري: «وفي (معالم القربة): التعزير: اسم يختص بفعله الإمام أو نائبه في غير الحدود والتأديب... فأما ضرب الزوج زوجته والمعلم الصبي فذاك يسمى تأديبًا»([4]).

فالأصل في ضرب الزوج لزوجته أنه ضرب تأديب لنوع من النشوز، كما نص علماء الإمامية على ذلك.

رابعًا: زوجات النبي ق لسن معصومات

تَزَوَّج النبي ق نساءه على أنهن غير معصومات، وهذا يستلزم منه وقوع أخطاء منهن، ووقوع الخطأ يوجب على القَيِّم أن يصوبه، والتصويب قد يكون باللين أو بالشدة، على حسب ما يراه القيم، وإذا شَرَع الله الغلظة للأدب؛ لزم من ذلك أن الغلظة على المؤمن إنما هي لمحبته ومحبة الخير له ولا تستلزم النفاق.

خامسًا: ضرب النبي ق لزوجاته غير مستلزم لأي محظور شرعي

هل لمَّا ضربها ق انقلبت إلى منافقة؟!

فإن قيل: نعم، فإذا كان يقصد بالنفاق أنه الأكبر، فقد وجب على النبي فراقها، فلمَّا لم يفارقها ثبت أنها مؤمنة، ثم نقول: تحت أي بند يمكن أن نضع ضرب النبي ق لزوجته؟! يدخل تحت الحدود، أم التعازير، أم حكم القاضي بالتكفير والنفاق؟

جميع علماء الشيعة يُقرون أن ضرب الرجل زوجته يدخل تحت التعزير والتأديب للزوجة، وبه يثبت جهل من وضع هذا الضرب تحت الحكم بالنفاق أو الكفر.

وهل الغلظة في المعاملة من لوازم النفاق؟

الشيعة يقرون أن هناك منافقين لم يُغلظ النبي ق عليهم، فلزم من ذلك أن الغلظة لا تستلزم النفاق، كما أن النفاق لا يستلزم الغلظة.

وهل كان ضرب نبي الله أيوبَ امرأتَه ذمًّا لها وحكمًا عليها بالنفاق؟

قال تعالى: [ ] {ص:43، 44} فأثبت أنها رحمة من الله لنبيه مع حصول الضرب.

سادسًا: إذا كانت «اللهدة» مُستَنكرةً؛ فماذا يفعلون في ضرب فاطمة لبعلها؟!

روى الصدوق بإسناده روايةً جاء فيها: «... فجلس علِي S والدراهم مصبوبة بين يديه، حتى اجتمع إليه أصحابه، فقبض قبضةً قبضَةً، وجعل يعطي رجُلًا رجلًا، حتى لم يبق معه درهم واحد، فلما أتى المنزل قالت له فاطمة R: يا بن عم، بعت الحائط الذي غرسه لك والدي؟ قال: نعم، بخير منه عاجلًا وآجلًا. قالت: فأين الثمن؟ قال: دفعته إلى أعين استحييت أن أذلها بذل المسألة قبل أن تسألني. قالت فاطمة: أنا جائعة، وابناي جائعان، ولا أشك إلا وأنك مثلنا في الجوع، لم يكن لنا منه درهم! وأخذت بطرف ثوب علِي S، فقال علي: يا فاطمة، خليني، فقالت: لا والله، أو يحكم بيني وبينك أبي، فهبط جبرائيل S على رسول الله -صلى الله عليه وآله- فقال: يا محمد، السلام يُقرئك السلام ويقول: أقرئ عليًّا مني السلام، وقل لفاطمة: ليس لك أن تضربي علَى يديه ولا تلمزي بثوبه، فلما أتى رسول الله -صلى الله عليه وآله- منزل علِيٍّ S وجد فاطمة ملازمةً لعلي S، فقال لها: يا بنية، ما لك ملازمة لعلي؟ قالت: يا أبه، باع الحائط الذي غرسته له باثني عشر ألف درهم ولم يحبس لنا منه درهمًا نشتري به طعامًا، فقال: يا بنية، إن جبرائيل يقرئني من ربي السلام، ويقول: أقرئ عليًّا من ربه السلام، وأمرني أن أقول لك: ليس لك أن تضربي على يديه، قالت فاطمة P: فإني أستغفر الله ولا أعود أبدًا...»([5]).

فهذه فاطمة ل تمسك زوجها من ثوبه، وتضربه على يديه، حتى نزل جبريل وصالح بينهما، وقد تخبط علماء الرافضة في تفسير هذه الروايات:

فقال جعفر مرتضى العاملي: «هل تعدت الزهراء P الحدود؟! وذكرت الرواية المتقدمة: أن الزهراء P قد أخذت بطرف ثوب أمير المؤمنين، لكي ترفع الأمر إلى أبيها -صلى الله عليه وآله- ليحكم بينهما.

ونقول: قال المجلسي: «لعل منازعتها -صلوات الله عليها- إنما كانت ظاهرًا لظهور فضله -صلوات الله عليه- على الناس، أو لظهور الحكمة فيما صدر عنه، أو لوجه من الوجوه لا نعرفه». أي: أنها P لم تنازعه على الحقيقة، بل هي منازعة ظاهرية أرادت بها إظهار فضل علي S، أو أرادت تعريف الناس بالحكمة التي توخاها مما أقدم عليه.

لذلك نقول: لا بد لنا من تأييد كلام المجلسي»([6]).

ونحن لا ندري كيف تُظهر فضل عليّ ا من خلال إهانته وضربه وجره من ثوبه؟!

 

˜³™

 


([1]) لسان العرب، ابن منظور (3/393).

([2]) تاج العروس، الزبيدي (9/145).

([3]) كتاب السرائر، ابن إدريس الحلي (2/729).

([4]) دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، حسين المنتظري (2/317).

([5]) الأمالي، الصدوق (ص553).

([6]) الصحيح من سيرة الإمام علي S، جعفر مرتضى العاملي (8/178).