زعمهم أن حادثة الإفك باطلة لذكر سعد بن معاذ فيها وقد مات قبلها

الشبهة:

قال الرافضي: «مشكلة أخرى! وهي ورود اسم سعد بن معاذ ا في القصة... والحال أنه لم يكن حيًّا آنذاك؛ لأنه كان قد استشهد بعد غزوة بني قريظة، كما هو معلوم! وغزوة بني قريظة وقعت بعد معركة الأحزاب مباشرة في السنة الخامسة من الهجرة، كما نص عليه الواقدي في باب غزوة بني قريظة؛ إذ قال: «سار إليهم النبي ق يوم الأربعاء لسبعٍ بقين من ذي القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يومًا، ثم انصرف يوم الخميس لِسبع خلون من ذي الحجة سنة خمس»، وثمة قولٌ آخر بأن الغزوة وقعت في السنة الرابعة، وادعى القاضي عياض عليه إجماع أصحاب السير.

 ومهما يكن فإن غزوة بني قريظة متقدمة على غزوة بني المصطلق، كما نص عليه ابن هشام في معرض ترتيبه غزوات النبي -صلى الله عليه وآله-، وقد اعترف علماء المخالفين بأن ذكره في روايات الإفك وهْم كبير، مع أن الرواة متفقون عليه، أي على ذكر وجوده! قال ابن العربي: «ذكر سعد بن معاذ وهْم اتفق فيه الرواة»»([1])


([1]) الفاحشة (350 -351).

الرد علي الشبهة:

أولًا: تحديد عام غزوة المريسيع مختلَفٌ فيه، والاستدلال بالمختلف فيه فاسد

لا بد من تحقيق المسألة في زمان وقوع غزوة المريسيع، أو بني المصطلق (وكلاهما اسمان للغزوة، أو أن أحدهما صفة للآخر)؛ إذ الاستدلال على صواب أو خطأِ مسألة بدليلٍ مُتنازعٍ غلَطٌ عظيمٌ.

وقد حقق المسألة الدكتور إبراهيم قريبي في كتابه «مرويات غزوة بني المصطلق»، وأنا هنا أذكر كلامه بتصرف:

قال الدكتور قريبي: «أما عن تحديد زمن هذه الغزوة، فقد اختلف العلماء في ذلك، وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والسادسة للهجرة، وفيما يأتي رأي كل فريقٍ مع أدلته، ثم ترجيح ما يظهر أنه الراجح، من خلال النصوص بعد مناقشتها وتحليلها:

أ- القائلون بأنها سنة ست:

أوَّلُ من قال بذلك ابن إسحاق: فقد قال عقب غزوة ذي قرد: «فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ق بِالْمَدِينةِ بَعْضَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا، ثُمَّ غَزَا بَني الْمُصْطَلِقِ مِن خُزَاعَةَ، فِي شَعْبَان سَنةَ سِتٍّ»([1]).

وفي مجمع الزوائد: روى الطبراني من طريق ابن إسحاق قال: «كانت غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست». قال الهيثمي: «رجاله ثقات»([2]).

وتبع ابن إسحاق في هذا: خليفة بن خياط، وابن جرير الطبري، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن العربي، وابن الأثير، وابن خلدون.

فقد صرح كل منهم بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة السادسة.

وقد أدى بهم هذا إلى إنكار وجود سعد بن معاذ في هذه الغزوة، وتوهيم من ذكره فيها من العلماء؛ بناءً على أنه استشهد في غزوة بني قريظة التي وقعت عقب الخندق مباشرة، وكانت الخندق في السنة الرابعة على رأي ابن حزم وطائفة من العلماء.

ونصُّ كلام ابن حزم: «ذكر أصحاب المغازي أن الخندق كانت سنة خمس من الهجرة، والثابت أنها في الرابعة بلا شك؛ لحديث عبد الله بن عمر قال: عرضت على رسول الله ق يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني»، فصح أن بينهما سنة واحدة فقط»([3]).

وقد أجاب البيهقي عن هذا فيما نقله عنه ابن كثير فقال: «وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَن مُرَادَهُمْ أَن ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعِ سِنين وَقَبْلَ اسْتِكْمَالِ خَمْسٍ.

وَلَا شَكَّ أَن الْمُشْرِكِين لَمَّا انصَرَفُوا عَن أُحُدٍ وَاعَدُوا الْمُسْلِمِين إِلَى بَدْرٍ الْعَامَ الْقَابِلَ، فَذَهَبَ النبِيُّ ق وَأَصْحَابُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَعْبَان سَنةَ أَرْبَعٍ، وَرَجَعَ أَبُو سُفْيَان بِقُرَيْشٍ لِجَدْبِ ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَكُونوا لِيَأْتُوا إِلَى الْمَدِينةِ بَعْدَ شَهْرَيْن، فَتَعَيَّن أَن الْخَندَقَ فِي شَوَّالٍ مِن سَنةِ خَمْسٍ. وَاللهُ أَعْلَمُ».

قال ابن كثير: «وَقَدْ صَرَّحَ الزُّهْرِيُّ بِأَن الْخَندَقَ كَانتْ بَعْدَ أُحُدٍ بِسَنتَيْن، وَلَا خِلَافَ أَن أُحُدًا فِي شَوَّالٍ سَنةَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى قَوْلِ مَن ذَهَبَ إِلَى أَن أَوَّلَ التَّارِيخِ مِن مُحَرَّمِ السَّنة الثَّانيَةِ لِسَنةِ الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَعُدُّوا الشُّهُورَ الْبَاقِيَةَ مِن سَنةِ الْهِجْرَةِ مِن رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى آخِرِهَا، كَمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.

وَبِهِ قَالَ يَعْقُوبُ بْن سُفْيَان الْفَسَوِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَن بَدْرًا فِي الأُولَى، وأُحُدًا فِي سَنةِ ثِنتَيْن، وَبدرَ الْمَوْعِدِ فِي شَعْبَان سَنةَ ثَلَاثٍ، وَالْخَندَقَ فِي شَوَّالٍ سَنةَ أَرْبَعٍ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ، فَإِن الْمَشْهُورَ أَن أَمِيرَ الْمُؤْمِنين عُمَرَ ابْن الْخَطَّابِ جَعَلَ أَوَّلَ التَّارِيخِ مِن مُحَرَّمِ سَنةِ الْهِجْرَةِ، وَعَن مَالِكٍ مِن رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنةَ الْهِجْرَةِ، فَصَارَتِ الْأَقْوَالُ ثَلَاثَةً وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: أَن أُحُدًا فِي شَوَّالٍ سَنةَ ثَلَاثٍ، وَأَن الْخَندَقَ فِي شَوَّالٍ سَنةَ خَمْسٍ مِن الْهِجْرَةِ وَاللهُ أَعْلَمُ»([4]).

7 قلت: فثبت بهذا بطلان قول من قال بأن المريسيع كانت سنة ست.

ب- القائلون بأنها سنة خمس:

1- موسى بن عقبة: كما نقل ذلك عنه ابن كثير بقوله: «وَقَالَ مُوسَى بْن عُقْبَةَ، عَن الزُّهْرِيِّ: هَذِهِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ق... ثُمَّ قَاتَلَ بَني الْمُصْطَلِقِ وَبني لِحْيَان فِي شَعْبَان سَنةَ خَمْسٍ»([5]).

ثم أورد ابن كثير قول البخاري عن موسى بن عقبة «أنها سنة أربع»، وعقب عليه بقوله: «هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَن مَغَازِي مُوسَى بْن عُقْبَةَ أَنهَا كَانت فِي سنة أَربع، وَالَّذِي حَكَاهُ عَنهُ وَعَن عُرْوَةَ أَنهَا كَانتْ فِي شَعْبَان سَنةَ خَمْسٍ»([6]).

وقد تابع ابن حجرٍ ابن كثيرٍ في تعقبه على البخاري بقوله: «كَأَنهُ سَبْقُ قَلَمٍ أَرَادَ أَن يَكْتُبَ سَنةَ خَمْسٍ فَكَتَبَ سَنةَ أَرْبَعٍ»([7]).

7 قلت: ويؤيد ذلك ما جاء في حديث الإفك من ذكر سعد بن معاذ، فلا بد أن تكون المريسيع قبل الخندق.

وعند البيهقي بإسناد مرسل: «عَن مُوسَى بْن عُقْبَةَ، عَن ابْن شِهَابٍ قَالَ: هَذِهِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ق الَّتِي قَاتَلَ فِيهَا يَوْمَ بَدْرٍ فِي رَمَضَان مِن سَنةِ اثْنتَيْن، ثُمَّ قَاتَلَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي شَوَّالٍ سَنةَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَاتَلَ يَوْمَ الْخَندَقِ وَهُوَ يَوْمُ الأَحْزَابِ وَبَني قُرَيْظَةَ فِي شَوَّالٍ سَنةَ أَرْبَعٍ، ثُمَّ قَاتَلَ بَني الْمُصْطَلِقِ وَبَني لِحْيَان فِي شَعْبَان مِن سَنةِ خَمْسٍ».

2- أبو معشر: فقد ذكرها قبل الخندق كما نقل ذلك ابن حجر عنه، فقال: «وَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو مَعْشَرٍ قَبْلَ الْخَندَقِ»([8]).

وأبو معشر روى عن أئمة أثبات، أمثال: ابن المسيب وهشام بن عروة ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم، وروى عنه أئمة كذلك، أمثال: الثوري والليث بن سعد وابن مهدي ووكيع وغيرهم. وهو ضعيف في الحديث بصير بالمغازي، فقد أثنى عليه بذلك أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الدمشقي وابن البرقي، والخليلي([9]).

وخلاصة القول فيه: أنه ضعيف في الحديث، وله إلمام بالمغازي، فمثله يصلح للشواهد والمتابعات.

3- الواقدي: قال «غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ فِي سَنةِ خَمْسٍ، خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ ق يَوْمَ الِاثْنيْن لِلَيْلَتَيْن خَلَتَا مِن شَعْبَان وَقَدِمَ الْمَدِينةَ لِهِلَالِ رَمَضَان، وَغَابَ شَهْرًا إلّا لَيْلَتَيْن»([10]).

4- ابن سعد وابن قتيبة والبِلَاذُري([11]) وصرح الذهبي وهو يذكر أحداث سنة خمس فقال: «وفي شعبان تزوج النبي -صلى الله علية وسلم- جويرية بنت الحارث، وفيها على الصحيح غزوة بني المصطلق، وتسمى غزوة المريسيع، فهزمهم النبي ق، وأصاب يومئذٍ جويرية([12]) وبنحو هذا قال ابن القيم([13]).

وممن ذهب إلى هذا من المعاصرين:

أ- الخضري بك: فقد ذكرها في شعبان في حوادث سنة خمس([14]).

ب- محمد الغزالي: قال في نهاية حديثه عن هذه الغزوة: «وكُتَّاب السيرة على أن حديث الإفك وغزوة بني المصطلق كانا بعد الخندق، لكننا تابعنا ابن القيم في اعتبارها من حوادث السنة الخامسة قبل هجوم الأحزاب على المدينة، والتحقيق يساند ابن القيم ومتابعيه، فستعلم أن سعد بن معاذ قتل في معركة الأحزاب، مع أن لسعد في غزوة بني المصطلق شأنا يذكر؛ إذ إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- اشتكى إليه عمل ابن أبيٍّ، ولا يتفق أن يستشهد سعد بن معاذ في غزوة الخندق ثم يحضر بعد ذلك في بني المصطلق لو صَحَّ أنها وقعت في السنة السادسة»([15]).

ج- الدكتور البوطي: قال: «ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت في العام السادس من الهجرة، والصحيح الذي ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت في شعبان من العام الخامس للهجرة»([16]).

د- الدكتور أبو شهبة: قال: «اختُلف في زمن هذه الغزوة؛ فذهب ابن إسحاق إلى أنها في شعبان سنة ستٍّ، ووافقه الطبري، وقال موسى بن عقبة: إنها سنة خمسٍ في شعبان، ووافقه الحاكم والبيهقي وأبو معشر، وهو الراجح الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة»([17]).

هـ- الساعاتي والصابوني: قالا: «كانت في السنة الخامسة على القول الأرجح»([18]).

فهؤلاء العلماء جميعًا قد صرحوا بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة الخامسة، وأنها قبل الخندق؛ لأن الخندق كانت في شوال من السنة المذكورة أيضًا.

1- الاتفاق على أنها كانت بعد نزول آية الحجاب: وكان نزولها في زواج رسول الله ق بزينب بنت جحش؛ وذلك للتصريح به في حديث الإفك، فقد قال ابن حجر ذلك في «الفتح»: «قَوْلُهُ: وَكَان يَرَاني قَبْلَ الْحِجَابِ، أَيْ: قَبْلَ نزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ إِسْلَامِ صَفْوَان، فَإِن الْحِجَابَ كَان فِي قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَطَائِفَةٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنةَ ثَلَاثٍ، وَعِندَ آخَرِين فِيهَا سَنةَ أَرْبَعٍ، وَصَحَّحَهُ الدِّمْيَاطِيُّ، وَقِيلَ: بَلْ كَان فِيهَا سَنةَ خَمْسٍ، وَهَذَا مِمَّا تَناقَضَ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ؛ فَإِنهُ ذَكَرَ أَن الْمُرَيْسِيعَ كَان فِي شَعْبَان سَنةَ خَمْسٍ وَأَن الْخَندَقَ كَانتْ فِي شَوَّالٍ مِنهَا، وَأَن الْحِجَابَ كَان فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنهَا، مَعَ رِوَايَتِهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا وَتَصْرِيحِهَا فِيهِ بِأَن قِصَّةَ الْإِفْكِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْمُرَيْسِيعِ كَانتْ بَعْدَ الْحِجَابِ»([19]).

2- ذِكرُ سعدِ بن معاذ: فهذا مما يُرجح تقدمها على غزوة الأحزاب، ولا يُلتَفتُ إلى من قال: إن ذكره في غزوة بني المصطلق وَهْم من بعض الرواة؛ إذ التوهيم لا يكون إلا بأمر قاطع، وما دام الخلاف قائمًا في تحديد زمن كلٍّ من الغزوتين، وتقديم إِحْدَاهُما على الأخرى فلا يستقيم التوهيم، بل الإقدام عليه من الصعوبة بمكان لا يخفى، لا سيما أنه مصرح بذكره في الصحيحين؛ ولذا قال إسماعيل القاضي: «الْأَوْلَى أَن تَكُون الْمُرَيْسِيعُ قَبْلَ الْخَندَقِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ»([20]).

3- ما ذكره المقريزي: قال: «ومكث رسول الله ق أيامًا، ثم أخذ بيد سعد بن معاذ في نفر حتى دخل على سعد بن عبادة ومن معه، فتحدثوا ساعة، وقرَّب لهم سعد بن عبادة طعامًا فأصابوا منه وانصرفوا، فمكث أيامًا، ثم أخذ بيد سعد بن عبادة ونفر معه، فانطلق به حتى دخل منزل سعد بن معاذ، فتحدثوا ساعة، وقرب لهم سعد بن معاذ طعامًا، فأصابوا منه»([21]).

4- اتفق أهل المغازي على أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان، وأن غزوة الأحزاب كانت في شوال، ومن هذه الناحية تكون غزوةُ بني المصطلق قبل الأحزاب، إذا غَضَضْنا الطرف عن الخلاف في تحديد سنة كل منهما، وبهذا التقرير يكون الراجح في تحديد زمن هذه الغزوة أنها في شعبان سنة خمس، وتكون سابقةً على غزوة الأحزاب؛ إذ الأحزاب في شوال من السنة المذكورة على الأصح.

ويندفع ما تعلق به الذاهبون إلى تأخرها عن غزوة الأحزاب اعتمادًا على ما ذكره ابن إسحاق في تحديدها بالسنة السادسة، وأن المحاورة في شأن أهل الإفك كانت بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة، ومستند ابن إسحاق لا مطعن فيه، غير أن إطباق كتب الصحاح على ذكر سعد بن معاذ في هذه الغزوة مما يرجح كون غزوة بني المصطلق كانت قبل الخندق، ولا داعي إلى تطرَّق الوهم إلى أصحّ الكتب؛ لأنه يمكن اللجوء في مثل هذه القضايا إلى الترجيح بين الأدلة وتمييز الصحيح والأصح، أو الراجح والمرجوح، ولا شك أن ما ذكر في الصحيحين أرجح مما ذكر في غيرهما، ولا سيما كتب المغازي والتواريخ.

1- موسى بن عقبة: نقل ذلك عنه البخاري، وقد تقدم توجيه كلام البخاري بأنه سبْقُ قلم، وأن الثابت عن موسى بن عقبة أنها سنة خمس.

2- المسعودي: ذكرها في السنة الرابعة، وذكر أن الخندق في السنة الخامسة([22]).

3- ابن العربي المالكي: صرح أيضًا بأنها في السنة الرابعة، وأن الخندق بعدها([23]).

4- أبو بكر العامري: اعتمد على النقل عن موسى بن عقبة بأنها كانت في السنة الرابعة([24]).

5- محمد أحمد باشميل: ذكرها في حوادث سنة أربع، ضمن الحوادث الواقعة بين غزوتي أحد والأحزاب([25]).

ويلاحظ مما ذكره هؤلاء العلماء في شأن غزوة بني المصطلق أنها سابقة على غزوة الأحزاب، وهذا من المرجحات على تقدمها على غزوة الخندق.

غير أن تحديد زمنها بالسنة الرابعة مردود بما أطبق عليه أهل المغازي بأن في السنة الرابعة كانت بدر الموعد، وكانت في شعبان، ومن المعلوم أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان اتفاقًا، وكانت مدة غياب رسول الله ق فيها ثمانية وعشرين يومًا، ابتداء من ليلتين خلتا من شعبان.

فإذا كانت غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة (على ما ذهب إليه هؤلاء العلماء) فمتى كانت بدر الموعد؟

وعلى كل حالٍ فكَوْن بني المصطلق في شعبان سنة أربع، لا يستقيم مع قول أهل المغازي بأن في هذا التاريخ كانت بدر الموعد، وهذا مما يرجح تأخر غزوة بني المصطلق عن هذا التحديد([26]).

7 قلت: خلاصة التحقيق أن الذين قالوا: إن المريسيع في شعبان سنة خمس من الهجرة هم: «موسى بن عقبة، والزهري، وأبو معشر، والواقدي، وابن سعد، وابن قتيبة، والبلاذري، وإسماعيل القاضي، وابن حجر، وابن كثير، والذهبي، وابن القيم، والخضري بك، والغزالي، والبوطي، وأبو شهبة، والساعاتي، والصابوني».

فكلهم ذكر أن المريسيع قبل الخندق في شعبان سنة خمس، وأما ما روي عن ابن إسحاق، فأصح منه ما ذكره البيهقي بأنها في سنة خمس([27])، لكن يرد على هؤلاء بأن الرابعة كان فيها بدر الموعد باتفاق أهل السير.

وبه يظهر جهل الرافضة بتحقيق المسألة.

ثانيًا: التناقض في رواية الشيعة.

لو رجع الرافضة إلى رواياتهم في موضوع الإفك، فسيجدون قدرًا من التناقضات لا حصر له، وأنا آخذ نموذجًا واحدًا من تلك التناقضات:

متى رُمِيَت مارية بالإفك؟ هل أثناء حملها بإبراهيم أم بعد موته؟ أم أن معصومي الرافضة لا يعلمون؟!

فرواية خصال الصدوق([28]) لم تحدد وقت رمي مارية بالزنا، وقد يُستظهر منها أن ذلك وقع في حياة إبراهيم، ففي الرواية: «إن إبراهيم ليس منك، وإنه ابن فلان القبطي» ولكن لا نستطيع الجزم بذلك من تلك الألفاظ.

ورواية القمي عن الباقر ذكرت بأن ذلك وقع بعد موت إبراهيم([29]): «لما مات إبراهيم ابن رسول الله -صلى الله عليه وآله- حزن عليه حزنا شديدًا، فقالت عائشة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلَّا ابن جريج».

فهنا جاء اللفظ صريحًا بأن ذلك قد وقع بعد موت إبراهيم، ثم تُفاجئنا رواية الطبري الشيعي([30]) والخصيبي([31]) بأن ذلك وقع أثناء الحمل بإبراهيم وليس بعد موته، كما زعمت رواية القمي الذي قال في الرواية المزعومة: «قالا: يا رسول الله، إن جريجًا يأتي من مارية الفاحشة العظمى، وإن حملها من جريح، وليس هو منك يا رسول الله»، فهذه الرواية تذكر أن الكلام قد وقع أثناء الحمل بإبراهيم، وهذه الرواية أليق بالحال -لو كان كما افترى الرافضة- وذلك أن الغيرة التي تدفع لذلك لا تكون إلا بعد حصول الحمل؛ وإلا فكيف تصبر المرأة كل تلك الفترة حتى يموت الولد وتقذف ضرتها بعد ذلك؟!

 فعلى رواية القمي أن القاذفة صبرت من العام الثامن إلى أواخر العام العاشر، وقبل وفاة النبي ق بما لا يتجاوز الثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك غارت فرمت مارية بذلك!

هذا لا يتصوره عاقل، ولكن القمي صرح بخلاف ما تقوله تلك الرواية؛ ليفضح الله تناقض هؤلاء الرافضة الذين اختلقوا تلك الروايات.

 

˜³™

 


([1]) سيرة ابن هشام، ت السقا (2/289).

([2]) مجمع الزوائد (6/207).

([3]) جوامع السيرة ط العلمية (ص: 147).

([4]) السيرة النبوية، ابن كثير (3/180).

([5]) السيرة النبوية، ابن كثير (2/354).

([6]) السيرة النبوية، ابن كثير (3/297).

([7]) فتح الباري، ابن حجر (7/430).

([8]) فتح الباري ابن حجر (7/430).

([9]) تهذيب التهذيب (1/422 -419).

([10]) المغازي، الواقدي (ص405).

([11]) طبقات ابن سعد (2/36) والمعارف، ابن قتيبة (ص70)، وأنساب الأشراف، البلاذري (ص341 -343).

([12]) العبر في خبر من غبر1 (/7 -8).

([13]) زاد المعاد (3/125).

([14]) نور اليقين (ص152).

([15]) فقه السيرة (ص316).

([16]) فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص202).

([17]) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة (ص169).

([18]) الفتح الرباني - ترتيب مسند أحمد (14/109)، وروائع البيان تفسير آيات الأحكام، الصابوني (2/119).

([19]) فتح الباري، ابن حجر (8/462).

([20]) فتح الباري، ابن حجر (8/472).

([21]) إمتاع الأسماع (1/216).

([22]) مروج الذهب (2/295).

([23]) عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي (7/173).

([24]) بهجة المحافل (1/241).

([25]) غزوة الأحزاب (ص94).

([26]) مرويات غزوة بني المصطلق، إبراهيم بن إبراهيم قريبي (ص89 -102).

([27]) السنن الكبرى للبيهقي (9/54). قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، ثنا أبو الأسود، عن عروة (ح، قال: وثنا) يعقوب، وثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب في ذكر مغازي رسول الله ق قال: «ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس»، ثم إن هناك طائفة قالوا: «إن المريسيع كانت سنة أربع من الهجرة، وهم: موسى بن عقبة، والمسعودي، وابن العربي، وأبو بكر العامري، وهذا من ضمن المرجحات على تقدم المريسيع على الخندق».

([28]) الخصال، الصدوق (ص563).

([29]) تفسير القمي (2/99).

([30]) دلائل الإمامة (ص385).

([31]) الهداية الكبرى (ص297).