أولًا: المسألة خلافية، ولا يمكن الاستدلال بالخلاف في محل النزاع.
قال القرطبي: «واختلف الناس: هل هن أمهات الرجال والنساء، أم أمهات الرجال خاصة؟ على قولين:
فروى الشَّعْبِيُّ عن مسروق عن عائشة ل أن امرأة قالت لها: يا أُمَّهْ، فقالت لها: لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم.
قال ابن العربي: وهو الصحيح.
قلت: لا فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء، والذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء؛ تعظيمًا لحقهن على الرجال والنساء، يدل عليه صدر الآية: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ] {الأحزاب:6}، وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة.
ويدل على ذلك حديث أبي هريرة وجابر، فيكون قوله: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ] عائدًا إلى الجميع، ثم إن في مصحف أُبي بن كعب: «وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم»، وقرأ ابن عباس: «من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم»، وهذا كله يوهن ما رواه مسروق إن صح من جهة الترجيح، وإن لم يصح فيسقط الاستدلال به في التخصيص، وبقينا على الأصل الذي هو العموم الذي يسبق إلى الفهوم. والله أعلم»([1]).
قال الحافظ ابن حجر: «وإنما قيل للواحدة منهن أم المؤمنين للتغليب، وإلا فلا مانع من أن يقال لها: أم المؤمنات على الراجح»([2]).
ثانيًا: حرمة نكاح أمهات المؤمنين ليس لأنهن أمهات المؤمنين كما زعم الرافضي.
اعتقاد الرافضي وفهمه أنهن K حُرِّم نكاحهن على المؤمنين لكونهن أمهات المؤمنين فاسد وجهل، فقد خلَّط الرافضي بين الآية التي نصت على حرمة نكاحهن K في قوله تعالى: [ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ] {الأحزاب:53} وبين الآية التي شرفهن الله فيها بشرف أمومة عموم المؤمنين، فأخذ حكم آية التحريم وألصقه بحكم آية التشريف.
وقد جهل كذلك هذا الرافضي تقريرات علماء مذهبه وأقوالهم؛ إذ السبب في تحريمهن هو النص على حرمة نكاحهن وليس لأمومتهن، قال الشهيد الثاني: «عن زرارة، عنه S نحوه، وقال في حديثه: وهم يستحلون أن يتزوجوا أمهاتهم، وإن أزواج النبي ص في الحرمة مثل أمهاتهم إن كانوا مؤمنين، فإذا تقرر ذلك نقول: تحريم أزواجه ص لِما ذكرناه من النهي المؤكد عنه في القرآن، لا لتسميتهن أمهات المؤمنين في قوله تعالى: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ]، ولا لتسميته ص والدًا»([3]).
قال بحر العلوم: «فإنهن أمهات المؤمنين؛ لقوله تعالى: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ]... وقد عرفت أن حرمة نكاحهن بالنص، لا بإطلاق الأمومة عليهن، فقد استبان أن المراد أمومة الاجلال والكرامة لا غير»([4]).
وقال البحراني: «ثم إنه ينبغي أن يعلم أن تحريم أزواجه -صلى الله عليه وآله- على الأمة، إنما هو للنهي الوارد في القرآن، لا لتسميتهن بأمهات المؤمنين في قوله: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ]، ولا لتسميته -صلى الله عليه وآله- والدًا؛ لأن هذه التسمية إنما وقعت على وجه المجاز لا الحقيقة، كناية عن تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن»([5]).
فدل هذا على أن تلقيبهن بأمهات المؤمنين لم يكن فقط المراد منه مجرد إفادته حرمة نكاحهن؛ لأن حرمة نكاحهن بالنص، فظهر أن هذا الوصف أفاد تكريمًا وتشريفًا لهن K؛ إذ حرمة نكاحهن منصوص عليها من غيره.
وفي ذلك يقول الحلي: «لقوله S: «زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة، والجنة محرمة على الكافرين»، ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، والله تعالى أكرم زوجاته؛ إذ جعلهن أمهات المؤمنين، والكافرة لا تصلح لذلك؛ لأن هذه أمومة الكرامة، ولقوله تعالى: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ]، ولقوله: «كل سبب ونسب ينقطع يوم القيمة إلا سببي ونسبي» وذلك لا يصح في الكافرة... فإنه S مات عن تسع... وليست الأمومة هنا الحقيقية، بل المراد تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن»([6]).
وعليه: فخَلْطُ الرافضي بين آية تحريم الزواج من أمهات المؤمنين، وآية ذكر الشرف بجعلهن أمهات للمؤمنين، جَهْلٌ عميق، والعلة من ذكر الأمومة التعظيم والتوقير والاحترام؛ إذ إنهن لسن مصداقًا لأمومة الدم، فدل ذلك على أنها أمومة اعتبارية، «وقد أجمع علماء الإمامية على أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مات عن تسع نسوة هن أمهات المؤمنين»([7])، فلم يستثنوا منهن واحدة، إلا هذا الرويفضي الأنوك الذي جاء بعد مئات السنين لينازع أهل الإسلام وعلماء مذهبه فيما أجمعوا عليه!
قال المجلسي في تفسير قوله تعالى: ﱡﭐ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱠ: «قيل: معناه لا يحل لك النساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله، وهن التسع، صرت مقصورًا عليهن، وممنوعًا من غيرهن، ومن أن تستبدل بهن غيرهن [ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ] {الأحزاب:52} أي: وقع في قلبك حسنهن مكافأة لهن على اختيارهن الله ورسوله، وقيل: إن التي أعجبه حسنها أسماء بنت عميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب عنها، وقيل: إنه منع من طلاق من اختارته من نسائه كما أمر بطلاق من لم يختره»([8]).
ولذلك ففي سياق تعداد خصائص أمهات المؤمنين لا بد من ذكر الخصيصتين معًا: (حرمة نكاحهن، وكونهن أمهات للمؤمنين).
` روى الطوسي في «المبسوط» عن النبي ق أنه قال: «نصرت بالرعب، حتى إن العدو لينهزم على مسيرة شهر، وجعلت أزواجه أمهات المؤمنين، وحرم على غيره أن ينكحها بعده بحال»([9]).
والواو هنا في كلامه تقتضي المغايرة بلا شك، فلما فرق بين جعلهن أمهات للمؤمنين وحرمة نكاحهن، دل ذلك على أن المعنى المراد من آية كونهن أمهات المؤمنين أكثر من معنى تحريم الزواج بهن.
ولذلك فقد ورد عند الرافضة -كذبًا- أن علي بن أبي طالب بعد واقعةِ الجمل قام يذم طلحةَ والزبيرَ، ووصف أم المؤمنين بأنها حرمة رسول الله فقال: «فخرجوا يجرون حرمة رسول الله -صلى الله عليه وآله- كما تجر الأمة عند شرائها، متوجهين بها إلى البصرة، فحبَسَا نساءهما في بيوتهما، وأبرزا حبيس رسول الله -صلى الله عليه وآله-»([10]).
والشاهد: أن علي بن أبي طالب سمى أم المؤمنين عائشة «حرمة رسول الله ق»، فمال هؤلاء الأراذل الذين يتطاولون ويلوكون بألسنتهم الخبيثة حرمة رسول الله ق لا يكادون يفقهون حديثًا؟!
³
([1]) تفسير القرطبي (14/123).
([2]) فتح الباري، ابن حجر (1/18).
([3]) مسالك الأفهام (7/81).
([4]) بلغة الفقيه (3/207).
([5]) الحدائق الناضرة (23/105).
([6]) تذكرة الفقهاء (2/567 - 568).
([7]) انظر: المباهلة، عبد الله السبيتي (ص75).
([8]) بحار الأنوار (22/184).
([10]) نهج البلاغة (2/85).